الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

98

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقوله : وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً مناسب لكلا الجملتين . واللغو : الكلام العبث والسفه الذي لا خير فيه . وتقدم في قوله تعالى : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً * في سورة مريم [ 62 ] . ومعنى المرور به المرور بأصحابه اللاغين في حال لغوهم ، فجعل المرور بنفس اللغو للإشارة إلى أن أصحاب اللغو متلبسون به وقت المرور . ومعنى : مَرُّوا كِراماً أنهم يمرون وهم في حال كرامة ، أي غير متلبسين بالمشاركة في اللغو فيه فإن السفهاء إذا مروا بأصحاب اللغو أنسوا بهم ووقفوا عليهم وشاركوهم في لغوهم فإذا فعلوا ذلك كانوا في غير حال كرامة . والكرامة : النزاهة ومحاسن الخلال ، وضدها اللؤم والسفالة . وأصل الكرامة أنها نفاسة الشيء في نوعه قال تعالى : أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * [ الشعراء : 7 ] . وقال بعض شعراء حمير في « الحماسة » : ولا يخيم اللقاء فارسهم * حتى يشقّ الصفوف من كرمه أي شجاعته ، وقال تعالى : وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً [ الأحزاب : 44 ] . وإذا مر أهل المروءة على أصحاب اللغو تنزهوا عن مشاركتهم وتجاوزوا ناديهم فكانوا في حال كرامة ، وهذا ثناء على المؤمنين بترفّعهم على ما كانوا عليه في الجاهلية كقوله تعالى : وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً [ الأنعام : 70 ] ، وقوله : وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [ القصص : 55 ] . وإعادة فعل مَرُّوا لبناء الحال عليه ، وذلك من محاسن الاستعمال ، كقول الأحوص : فإذا تزول تزول عن متخمّط * تخشى بوادره على الأقران ومنه قوله تعالى : رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا [ القصص : 63 ] كما ذكره ابن جنّي في « شرح مشكل أبيات الحماسة » ، وقد تقدم عند قوله تعالى : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [ الفاتحة : 7 ] . [ 73 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 73 ] وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً ( 73 )