الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

82

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عليم بتصاريف رحمته مجرب لها متلقّ أحاديثها ممن علمها وجرّبها . وتنكير خَبِيراً للدلالة على العموم ، فلا يظن خبيرا معينا ، لأن النكرة إذا تعلق بها فعل الأمر اقتضت عموما بدليل أيّ خبير سألته أعلمك . وهذا يجري مجرى المثل ولعله من مبتكرات القرآن نظير قول العرب : « على الخبير سقطت » يقولها العارف بالشيء إذا سئل عنه . والمثلان وإن تساويا في عدد الحروف المنطوق بها فالمثل القرآني أفصح لسلامته من ثقل تلاقي القاف والطاء والتاء في ( سقطت ) . وهو أيضا أشرف لسلامته من معنى السقوط ، وهو أبلغ معنى لما فيه من عموم كل خبير ، بخلاف قولهم : على الخبير سقطت ، لأنها إنما يقولها الواحد المعيّن . وقريب من معنى فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً قول النابغة : هلا سألت بني ذبيان ما حسبي * إذا الدخان تغشى الأشمط البرما إلى قوله : يخبرك ذو عرضهم عني وعالمهم * وليس جاهل شيء مثل من علما والباء في بِهِ بمعنى ( عن ) أي فاسأل عنه كقول علقمة : فإن تسألوني بالنساء فإنني * خبير بأدواء النساء طبيب ويجوز أن تكون الباء متعلقة ب خَبِيراً وتقديم المجرور للرعي على الفاصلة وللاهتمام ، فله سببان . [ 60 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 60 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً ( 60 ) لما جرى وصف اللّه تعالى بالرحمن مع صفات أخر استطرد ذكر كفر المشركين بهذا الوصف . وقد علمت عند الكلام على البسملة في أول هذا التفسير أن وصف اللّه تعالى باسم ( الرحمن ) هو من وضع القرآن ولم يكن معهودا للعرب ، وأما قول شاعر اليمامة في مدح مسيلمة : سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أبا * وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا فذلك بعد ظهور الإسلام في مدة الردة ، ولذلك لما سمعوه من القرآن أنكروه قصدا بالتورّك على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وليس ذلك عن جهل بمدلول هذا الوصف ولا بكونه جاريا على