الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

80

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

كقوله تعالى : فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً [ النبأ : 39 ] . وذكر وصف الرب دون الاسم العلم للإشارة إلى استحقاقه السير إليه لأن العبد محقوق بأن يرجع إلى ربه وإلّا كان آبقا . [ 58 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 58 ] وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً ( 58 ) عطف على جملة قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [ الفرقان : 57 ] أي قل لهم ذلك وتوكل على اللّه في دعوتك إلى الدين فهو الذي يجازيك على ذلك ويجازيهم . والتوكل : الاعتماد وإسلام الأمور إلى المتوكل عليه وهو الوكيل ، أي المتولّي مهمّات غيره ، وقد تقدم في قوله تعالى : فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ في آل عمران [ 159 ] . و الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ هو اللّه تعالى . وعدل عن اسم الجلالة إلى هذين الوصفين لما يؤذن به من تعليل الأمر بالتوكل عليه لأنه الدائم فيفيد ذلك معنى حصر التوكل في الكون عليه ، فالتعريف في الْحَيِّ للكامل ، أي الكامل حياته لأنها واجبة باقية مستمرة وحياة غيره معرضة للزوال بالموت ومعرضة لاختلال أثرها بالذهول كالنوم ونحوه فإنه من جنس الموت ، فالتوكل على غيره معرض للاختلال وللانخرام . وفي ذكر الوصفين تعريض بالمشركين إذ ناطوا آمالهم بالأصنام وهي أموات غير أحياء . وفي الآية إشارة إلى أن المرء الكامل لا يثق إلا باللّه لأن التوكل على الأحياء المعرضين للموت وإن كان قد يفيد أحيانا لكنه لا يدوم . وأما أمره بالتسبيح فهو تنزيه اللّه عما لا يليق به وأول ذلك الشركة في الإلهية ، أي إذا أهمّك أمر إعراض المشركين عن دعوة الإسلام فعليك نفسك فنزه اللّه . والباء في بِحَمْدِهِ للمصاحبة ، أي سبحه تسبيحا مصاحبا للثناء عليه بما هو أهله . فقد جمع له في هذا الأمر التخلية والتحلية مقدّما التخلية لأن شأن الإصلاح أن يبدأ بإزالة النقص . وأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يشمل الأمة ما لم يكن دليل على الخصوصية . وجملة وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً اعتراض في آخر الكلام ، فيفيد معنى التذييل