الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

73

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجوز فريق أن يكون ضمير صَرَّفْناهُ عائدا إلى غير مذكور معلوم في المقام مراد به القرآن ؛ قالوا لأنه المقصود في هذه السورة فإنها افتتحت بذكره ، وتكرر في قوله : إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً [ الفرقان : 30 ] . وأصل هذا التأويل مروي عن عطاء ، ولقوله بعده وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً [ الفرقان : 52 ] . وقيل الضمير عائد إلى الكلام المذكور ، أي ولقد صرفنا هذا الكلام وكررناه على ألسنة الرسل ليذّكروا . [ 51 ، 52 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 51 إلى 52 ] وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً ( 51 ) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً ( 52 ) جملة اعتراض بين ذكر دلائل تفرد اللّه بالخلق وذكر منّته على الخلق . ومناسبة موقع هذه الجملة وتفريعها بموقع الآية التي قبلها خفيّة . وقال ابن عطية في قوله وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً : اقتضاب يدل عليه ما ذكر . تقديره : ولكنّا أفردناك بالنذارة وحمّلناك فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ اه . فإن كان عنى بقوله : اقتضاب ، معنى الاقتضاب الاصطلاحي بين علماء الأدب والبيان ، وهو عدم مراعاة المناسبة بين الكلام المنتقل منه والكلام المنتقل إليه ، كان عدولا عن التزام تطلب المناسبة بين هذه الآية والآية التي قبلها ، وليس الخلوّ عن المناسبة ببدع فقد قال صاحب « تلخيص المفتاح » « وقد ينقل منه ( أي مما شبّب به الكلام ) إلى ما لا يلائمه ( أي لا يناسب المنتقل منه ) ويسمى الاقتضاب وهو مذهب العرب ومن يليهم من المخضرمين » إلخ . وإذا كان ابن عطية عنى بالاقتضاب معنى القطع ( أي الحذف من الكلام ) أي إيجاز الحذف كما يشعر به قوله « يدل عليه ما ذكر تقديره إلخ » ، كأن لم يعرج على اتصال هذه الآية بالتي قبلها . وفي « الكشاف » : « ولو شئنا لخففنا عنك أعباء نذارة جميع القرى ولبعثنا في كل قرية نبيئا ينذرها ، وإنما قصرنا الأمر عليك وعظّمناك على سائر الرسل ( أي بعموم الدعوة ) فقابل ذلك بالتصبر » اه . وقد قال الطّيبي : « ومدار السورة على كونه صلّى اللّه عليه وسلّم مبعوثا إلى الناس كافة ولذلك افتتحت بما يثبت عموم رسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إلى جميع الناس بقوله تعالى : لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [ الفرقان : 1 ] . وليس في كلام « الكشاف » والطيبي إلّا بيان مناسبة الآية لمهمّ أغراض السورة دون