الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

72

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الأسباب والمسببات وقد كانوا لا يتدبرون حكمة الخالق ويسندون الآثار إلى مؤثرات وهمية أو صورية . ولما كان التذكر شاملا لشكر المنعم عليهم بإصابة المطر ولتفطن المحرومين إلى سبب حرمانهم إياه لعلهم يستغفرون ، جيء في التعليل بفعل لِيَذَّكَّرُوا ليكون علة لحالتي التصريف بينهم . وقوله : فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً تركيب جرى بمادّته وهيئته مجرى المثل في الإخبار عن تصميم المخبر عنه على ما بعد حرف الاستثناء ، وذلك يقتضي وجود الصارف عن المستثنى ، أي فصمموا على الكفور لا يرجعون عنه لأن الاستثناء من عموم أشياء مبهمة جعلت كلها مما تعلق به الإباء كأنّ الآبين قد عرضت عليهم - من الناس أو من خواطرهم - أمور وراجعوا فلم يقبلوا منها إلا الكفور ، وإن لم يكن هنالك عرض ولا إباء ، ومنه قوله تعالى في سورة براءة : [ 32 ] وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ؛ ألا ترى أن ذلك استعمل هنا في مقام معارضة المشركين للتوحيد وفي سورة براءة في مقام معارضة أهل الكتاب للإسلام . وشدّة الفريقين في كفرهم معلومة مكشوفة ولم يستعمل في قوله تعالى في سورة الصّفّ : [ 8 ] : يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ . والكفور : مصدر بمعنى الكفر . وتقدم نظيره في سورة الإسراء ، أي أبوا إلّا الإشراك باللّه وعدم التذكر . وقرأ الجمهور لِيَذَّكَّرُوا بتشديد الذال وتشديد الكاف مدغمة فيها التاء وأصله ليتذكروا . وقرأ حمزة والكسائي وخلف بسكون الذال وتخفيف الكاف مضمومة ، أي ليذكروا ما هم عنه غافلون . ويؤخذ من الآية أن الماء المنزّل من السماء لا يختلف مقداره وإنما تختلف مقادير توزيعه على مواقع القطر ، فعن ابن عباس : ما عام أقل مطرا من عام ولكن اللّه قسم ذلك بين عباده على ما شاء . وتلا هذه الآية . وذكر القرطبي عن ابن مسعود عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ما من سنة بأمطر من أخرى ولكن إذا عمل قوم المعاصي صرف اللّه ذلك إلى غيرهم فإذا عصوا جميعا صرف اللّه ذلك إلى الفيافي والبحار » اه . فحصل من هذا أن المقدار الذي تفضل اللّه به من المطر على هذه الأرض لا تختلف كميته وإنما يختلف توزيعه . وهذه حقيقة قررها علماء حوادث الجو في القرن الحاضر ، فهو من معجزات القرآن العلمية الراجعة إلى الجهة الثالثة من المقدمة العاشرة لهذا التفسير .