الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

7

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والتوكل على اللّه ، والثناء على المؤمنين به ، ومدح خصالهم ومزايا أخلاقهم ، والإشارة إلى عذاب قريب يحل بالمكذبين . [ 1 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ( 1 ) افتتاح بديع لندرة أمثاله في كلام بلغاء العرب لأن غالب فواتحهم أن تكون بالأسماء مجردة أو مقترنة بحرف غير منفصل ، مثل قول طرفة : لخولة أطلال ببرقة ثهمد أو بأفعال المضارعة ونحوها كقول امرئ القيس : قفا نبك البيت أو بحروف التأكيد أو الاستفهام أو التنبيه مثل ( إن ) و ( قد ) والهمزة و ( هل ) . ومن قبيل هذا الافتتاح قول الحارث بن حلّزة : آذنتنا ببينها أسماء وقول النّابغة : كتمتك ليلا بالجمومين ساهرا * وهمّين همّا مستكنّا وظاهرا وبهذه الندرة يكون في طالع هذه السورة براعة المطلع لأن الندرة من العزة ، والعزّة من محاسن الألفاظ وضدها الابتذال . وتبارك : تعاظم خيره وتوفر ، والمراد بخيره كمالاته وتنزهاته . وتقدم في قوله تعالى : تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ في سورة الأعراف [ 54 ] . والبركة : الخير ، وتقدم عند قوله تعالى : اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ في سورة هود [ 48 ] وعند قوله : تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً في سورة النور [ 61 ] . وظاهر قوله : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ أنه إخبار عن عظمة اللّه وتوفر كمالاته فيكون المقصود به التعليم والإيقاظ ، ويجوز مع ذلك أن يكون كناية عن إنشاء ثناء على اللّه تعالى أنشأ اللّه به ثناء على نفسه كقوله : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ [ الإسراء : 1 ] على طريقة الكلام العربي في إنشاء التعجب من صفات المتكلم في مقام الفخر والعظمة ، أو إظهار غرايب صدرت ، كقول امرئ القيس : ويوم عقرت للعذارى مطيتي * فيا عجبا من كورها المتحمّل