الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

56

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يتوسمون . [ 41 ، 42 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 41 إلى 42 ] وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً ( 41 ) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً ( 42 ) كان ما تقدمت حكايته من صنوف أذاهم الرسول عليه الصلاة والسلام أقوالا في مغيبه ، فعطف عليها في هذه الآية أذى خاص وهو الأذى حين يرونه . وهذا صنف من الأذى تبعثهم إليه مشاهدة الرسول في غير زيّ الكبراء والمترفين لا يجرّ المطارف ولا يركب النجائب ولا يمشي مرحا ولا ينظر خيلاء ويجالس الصالحين ويعرض عن المشركين ، ويرفق بالضعفاء ويواصل الفقراء ، وأولئك يستخفون بالخلق الحسن ، لما غلب على آرائهم من أفن ، لذلك لم يخل حاله عندهم من الاستهزاء به إذا رأوه بأن حاله ليست حال من يختاره اللّه لرسالته دونهم ، ولا هو أهل لقيادتهم وسياستهم . وهذا الكلام صدر من أبي جهل وأهل ناديه . و إِذا ظرف زمان مضمّن معنى الشرط فلذلك يجعل متعلّقه جوابا له . فجملة إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً جواب إِذا . والهزؤ بضمتين : مصدر هزأ به . وتقدم في قوله : [ تعالى ] قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً في سورة البقرة [ 67 ] . والوصف للمبالغة في استهزائهم به حتى كأنه نفس الهزؤ لأنهم محّضوه لذلك ، وإسناد يَتَّخِذُونَكَ إلى ضمير الجمع للدلالة على أن جماعاتهم يستهزءون به إذا رأوه وهم في مجالسهم ومنتدياتهم . وصيغة الحصر للتشنيع عليهم بأنهم انحصر اتخاذهم إياه في الاستهزاء به يلازمونه ويدأبون عليه ولا يخلطون معه شيئا من تذكر أقواله ودعوته ، فالاستثناء من عموم الأحوال المنفية ، أي لا يتخذونك في حالة إلا في حالة الاستهزاء . وجملة أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا بيان لجملة إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً لأن الاستهزاء من قبيل القول فكان بيانه بما هو من أقوالهم ومجاذبتهم الأحاديث بينهم . والاستفهام إنكار لأن يكون بعثه اللّه رسولا . واسم الإشارة مستعمل في الاستصغار كما علمت في أول تفسير هذه الآية . والمعنى : إنكار أن يكون المشار إليه رسولا لأن في الإشارة إليه ما يكفي للقطع