الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
45
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ إبراهيم : 24 ] . ويستعار الثبات لليقين وللاطمئنان بحصول الخير لصاحبه قال تعالى : لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً [ النساء : 66 ] ، وهي استعارات شائعة مبنية على تشبيه حصول الاحتمالات في النفس باضطراب الشيء في المكان تشبيه معقول بمحسوس . والفؤاد : هنا العقل . وتثبيته بذلك الإنزال جعله ثابتا في ألفاظه ومعانيه لا يضطرب فيه . وجاء في بيان حكمة إنزال القرآن منجّما بكلمة جامعة وهي لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ لأن تثبيت الفؤاد يقتضي كل ما به خير للنفس ، فمنه ما قاله الزمخشري : الحكمة في تفريقه أن نقوي بتفريقه فؤادك حتى تعيه وتحفظه ، لأن المتلقن إنما يقوى قلبه على حفظ العلم يلقى إليه إذ ألقي إليه شيئا بعد شيء وجزءا عقب جزء ، وما قاله أيضا : « أنه كان ينزل على حسب الدواعي والحوادث وجوابات السائلين » اه ، أي فيكونون أوعى لما ينزل فيه لأنهم بحاجة إلى علمه ، فيكثر العمل بما فيه وذلك مما يثبّت فؤاد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويشرح صدره . وما قاله بعد ذلك : « إن تنزيله مفرّقا وتحدّيهم بأن يأتوا ببعض تلك التفارق كلّما نزل شيء منها ، أدخل في الإعجاز وأنور للحجة من أن ينزل كلّه جملة » اه . ومنه ما قاله الجدّ الوزير رحمه اللّه : إن القرآن لو لم ينزل منجّما على حسب الحوادث لما ظهر في كثير من آياته مطابقتها لمقتضى الحال ومناسبتها للمقام وذلك من تمام إعجازها . وقلت : إن نزوله منجّما أعون لحفّاظه على فهمه وتدبره . وقوله : وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا عطف على قوله كَذلِكَ ، أي أنزلناه منجّما ورتّلناه ، والترتيل يوصف به الكلام إذا كان حسن التأليف بيّن الدلالة . واتفقت أقوال أئمة اللّغة على أن هذا الترتيل مأخوذ من قولهم : ثغر مرتّل ، ورتل ، إذا كانت أسنانه مفلّجة تشبه نور الأقحوان . ولم يوردوا شاهدا عليه من كلام العرب . والترتيل يجوز أن يكون حالة لنزول القرآن ، أي نزّلناه مفرّقا منسّقا في ألفاظه ومعانيه غير متراكم فهو مفرّق في الزمان فإذا كمل إنزال سورة جاءت آياتها مرتبة متناسبة كأنها أنزلت جملة واحدة ، ومفرّق في التأليف بأنه مفصّل واضح . وفي هذا إشارة إلى أن ذلك من دلائل أنه من عند اللّه لأن شأن كلام الناس إذا فرّق تأليفه على أزمنة متباعدة أن يعتوره التفكك وعدم تشابه الجمل . ويجوز أن يراد ب رَتَّلْناهُ أمرنا بترتيله ، أي بقراءته مرتّلا ، أي بتمهّل بأن لا يعجّل في قراءته بأن تبيّن جميع الحروف والحركات بمهل ، وهو المذكور في سورة المزّمّل [ 4 ]