الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

323

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يكبّ على الأذقان دوح الكنهبل وهذا من قبيل قوله تعالى سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ [ الأعراف : 116 ] وقوله وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ [ الأعراف : 149 ] وقول الأعشى : وأقدم إذا ما أعين الناس تفرق هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . تذييل للزواجر المتقدمة ، فالخطاب للمشركين الذين يسمعون القرآن على طريقة الالتفات من الغيبة بذكر الأسماء الظاهرة وهي من قبيل الغائب . وذكر ضمائرها ابتداء من قوله إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى [ النمل : 80 ] وما بعده من الآيات إلى هنا . ومقتضى الظاهر أن يقال : هل يجزون إلا ما كانوا يعملون فكانت هذه الجملة كالتلخيص لما تقدم وهو أن الجزاء على حسب عقائدهم وأعمالهم وما العقيدة إلا عمل القلب فلذلك وجه الخطاب إليهم بالمواجهة . ويجوز أن تكون مقولا لقول محذوف يوجه إلى الناس يومئذ ، أي لا يقال لكل فريق : هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . والاستفهام في معنى النفي بقرينة الاستثناء . وورود هَلْ لمعنى النفي أثبته في « مغني اللبيب » استعمالا تاسعا قال : « أن يراد بالاستفهام بها النفي ولذلك دخلت على الخبر بعدها ( إلا ) نحو هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ [ الرحمن : 60 ] . والباء في قوله : ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم وقال في آخر كلامه : إن من معاني الإنكار الذي يستعمل فيه الاستفهام إنكار وقوع الشيء وهو معنى النفي . وهذا تنفرد به هَلْ دون الهمزة . قال الدماميني في « الحواشي الهندية » قوله : يراد بالاستفهام ب هَلْ النفي يشعر بأن ثمة استفهاما لكنه مجازي لا حقيقي » اه . وأقول : هذا استعمال كثير ومنه قول لبيد : وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر وقول النابغة : وهل عليّ بأن أخشاك من عار