الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

321

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قصد به التذييل ، أي ما هذا الصنع العجيب إلا مماثلا لأمثاله من الصنائع الإلهية الدقيقة الصنع . وهذا يقتضي أن تسيير الجبال نظام متقن ، وأنه من نوع التكوين والخلق واستدامة النظام وليس من نوع الخرم والتفكيك . وجملة إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ تذييل أو اعتراض في آخر الكلام للتذكير والوعظ والتحذير ، عقب قوله الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ لأن إتقان الصنع أثر من آثار سعة العلم فالذي بعلمه أتقن كل شيء هو خبير بما يفعل الخلق فليحذروا أن يخالفوا عن أمره . ثم جيء لتفصيل هذا بقوله مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ [ النمل : 89 ] الآية فكان من التخلص والعود إلى ما يحصل يوم ينفخ في الصور ، ومن جعلوا أمر الجبال من أحداث يوم الحشر جعلوا جملة إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ استئنافا بيانيا لجواب سائل : فما ذا يكون بعد النفخ والفزع والحضور بين يدي اللّه وتسيير الجبال ، فأجيب جوابا إجماليا بأن اللّه عليم بأفعال الناس ثم فصل بقوله مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها . . [ النمل : 89 ] الآية . قرأ الجمهور بِما تَفْعَلُونَ بتاء الخطاب . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو يفعلون بياء الغائبين عائدا ضميره على مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [ النمل : 87 ] . [ 89 - 90 ] [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 89 إلى 90 ] مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ( 89 ) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 90 ) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ( 89 ) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ . هذه الجملة بيان ناشئ عن قوله فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [ النمل : 87 ] لأن الفزع مقتض الحشر والحضور للحساب . و ( من ) في كلتا الجملتين شرطية . والمجيء مستعمل في حقيقته . والباء في بِالْحَسَنَةِ و بِالسَّيِّئَةِ للمصاحبة المجازية ، ومعناها : أنه ذو الحسنة أو ذو السيئة . وليس هذا كقوله مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها في آخر الأنعام [ 160 ] . فالمعنى هنا : من يجيء يومئذ وهو من فاعلي الحسنة ومن جاء وهو من أهل السيئة ، فالمجيء ناظر إلى قوله وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ [ النمل : 87 ] والحسنة والسيئة هنا للجنس وهو يحمل على أكمل