الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

312

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تكذبوا فإنكم لم توقنوا فما ذا كنتم تعملون في مدة تكرير دعوتكم إلى الإسلام . ومن هنا حصل الإلجاء إلى الاعتراف بأنهم كذبوا . ومن لطائف البلاغة أنه جاء بالمعادل الأول مصرحا به لأنه المحقق منهم فقال أَ كَذَّبْتُمْ بِآياتِي وحذف معادله الآخر تنبيها على انتفائه كأنه قيل : أهو ما عهد منكم من التكذيب أم حدث حادث آخر ، فجعل هذا المعادل مترددا فيه ، وانتقل الكلام إلى استفهام . وهذا تبكيت لهم . قال في الكشاف » : « ومثاله أن تقول لراعيك وقد علمت أنه راعي سوء : أتأكل نعمي أم ما ذا تعمل بها ، فتجعل ما ابتدأت به وجعلته أساس كلامك هو الذي صح عندك من أكله وفساده وترمي بقولك : أم ما ذا تعمل بها ، مع علمك أنه لا يعمل بها إلا الأكل لتبهته . ويجوز أن يكون الاستفهام تقريريا وتكون أم متصلة وما بعدها هو معادل الاستفهام باعتبار المعنى كأنه قيل : أكذبتم أم لم تكذبوا فما ذا كنتم تعملون إن لم تكذبوا فإنكم لم تتبعوا آياتي » . وجملة وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً في موضع الحال ، أي كذبتم دون أن تحيطوا علما بدلالة الآيات . وانتصب عِلْماً على أنه تمييز نسبة تُحِيطُوا ، أي لم يحط علمكم بها ، فعدل عن إسناد الإحاطة إلى العلم إلى إسنادها إلى ذوات المخاطبين ليقع تأكيد الكلام بالإجمال في الإسناد ثم التفصيل بالتمييز . وإحاطة العلم بالآيات مستعملة في تمكن العلم حتى كأنه ظرف محيط بها وهذا تعيير لهم وتوبيخ بأنهم كذبوا بالآيات قبل التدبر فيها . و أَمَّا ذا استفهام واسم إشارة وهو بمعنى اسم الموصول إذا وقع بعد ( ما ) . والمشار إليه هو مضمون الجملة بعده في قوله كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . ولكون المشار إليه في مثل هذا هو الجملة صار اسم الإشارة بعد الاستفهام في قوة موصول فكأنه قيل : ما الذي كنتم تعملون ؟ فذلك معنى قول النحويين : إن ( ذا ) بعد ( ما ) و ( من ) الاستفهاميتين يكون بمعنى ( ما ) الموصولة فهو بيان معنى لا بيان وضع . [ 85 ] [ سورة النمل ( 27 ) : آية 85 ] وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ ( 85 ) يجوز أن يكون الواو للحال ، والمعنى : يقال لهم أكذبتم بآياتي وقد وقع القول عليهم . وهذا القول هو القول السابق في آية وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ [ النمل : 82 ] فإن ذلك القول مشتمل على حوادث كثيرة فكلما تحقق شيء منها فقد وقع القول .