الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

306

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و الْمُبِينِ : الواضح الذي لا ينبغي الامتراء فيه ولا المصانعة للمحكوم له . وفي الآية إشارة إلى أن الذي يعلم أن الحق في جانبه حقيق بأن يثق بأن اللّه مظهر حقه ولو بعد حين . [ 80 ] [ سورة النمل ( 27 ) : آية 80 ] إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ( 80 ) استئناف بياني جوابا عما يخطر في بال السامع عقب قوله إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ [ النمل : 79 ] من التساؤل عن إعراض أهل الشرك لما عليه الرسول من الحق المبين . وهو أيضا تعليل آخر للأمر بالتوكل على اللّه بالنظر إلى مدلوله الكنائي ، فموقع حرف التوكيد فيه كموقعه في التعليل بالجملة التي قبله . وهذا عذر للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وتسلية له ، ولكونه تعليلا لجانب من التركيب وهو الجانب الكنائي غير الذي علل بجملة إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ [ النمل : 79 ] لم تعطف هذه الجملة على التي قبلها تنبيها على استقلالها بالتعليل . والإسماع : إبلاغ الكلام إلى المسامع . و الْمَوْتى و الصُّمَّ : مستعاران للقوم الذين لا يقبلون القول الحق ويكابرون من يقوله لهم . شبهوا بالموتى على طريقة الاستعارة في انتفاء فهمهم معاني القرآن ، وشبهوا بالصم كذلك في انتفاء أثر بلاغة ألفاظه عن نفوسهم . وللقرآن أثران : أحدهما : ما يشتمل عليه من المعاني المقبولة لدى أهل العقول السليمة وهي المعاني التي يدركها ويسلم لها من تبلغ إليه ولو بطريق الترجمة بحيث يستوي في إدراكها العربي والعجمي وهذا أثر عقلي . والأثر الثاني : دلالة نظمه وبلاغته على أنه خارج عن مقدرة بلغاء العرب . وهذا أثر لفظي وهو دليل الإعجاز وهو خاص بالعرب مباشرة ، وحاصل لغيرهم من أهل النظر والتأمل إذا تدبروا في عجز البلغاء من أهل اللسان الذي جاء به القرآن ، فهؤلاء يوقنون بأن عجز بلغاء أهل ذلك اللسان عن معارضته دال على أنه فوق مقدرتهم ؛ فالمشركون شبهوا بالموتى بالنظر إلى الأثر الأول ، وشبهوا بالصم بالنظر إلى الأثر الثاني ، فحصلت استعارتان . ونفي الإسماع فيهما ترشيحان للاستعارتين وهما مستعاران لانتفاء معالجة إبلاغهم .