الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
296
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عن بعض ما يعلمون في شأن الآخرة وهو ما اشتهر عنهم من إنكار الحياة الآخرة ، أو قد اضطرب ما يعلمونه في شأن الآخرة وأنهم سيعلمون ذلك لا محالة في يوم الدار الآخرة . وحاصل المعنى على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر : ما يشعرون أيّان يبعثون فإنهم لا علم لهم بالحياة الآخرة ، أي جهلوا الحياة الآخرة . أما عدد القراءات الشاذة في هذه الجملة فبلغت عشرا . وأما جملة بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها فهو إضراب انتقال للارتقاء من كونهم اضطرب علمهم في الآخرة ، أو تقلد خلفهم ما لقنه سلفهم ، أو من أنهم انتفى عملهم في الآخرة إلى أن ذلك الاضطراب في العلم قد أثار فيهم شكا من وقوع الآخرة . و ( من ) للابتداء المجازي ، أي في شك ناشئ عن أمر الآخرة . وجيء بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات الخبر ودوامه ، والظرفية للدلالة على إحاطة الشك بهم . وجملة بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ ارتقاء ثالث وهو آخر درجات الارتقاء في إثبات ضلالهم وهو أنهم عميان عن شأن الآخرة . و عَمُونَ : جمع عم بالتنوين وهو فعل من العمى ، صاغوا له مثال المبالغة للدلالة على شدة العمى ، وهو تشبيه عدم العلم بالعمى ، وعادم العلم بالأعمى . وقال زهير : وأعلم علم اليوم والأمس قبله * ولكنني عن علم ما في غد عم فشبه ضلالهم عن البعث بالعمى في عدم الاهتداء إلى المطلوب تشبيه المعقول بالمحسوس . و ( من ) في قوله مِنْها عَمُونَ للابتداء المجازي ، جعل عماهم وضلالهم في إثبات الآخرة كأنه ناشئ لهم من الآخرة إذ هي سبب عماهم ، أي إنكارها سبب ضلالهم . وفي الكلام مضاف محذوف تقديره : من إنكار وجودها عمون ، فالمجرور متعلق ب عَمُونَ . وقدم على متعلقه للاهتمام بهذا المتعلق وللرعاية على الفاصلة . وصيغت الجملة الاسمية للدلالة على الثبات كما في قوله بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها . وترتيب هذه الاضرابات الثلاثة ترتيب لتنزيل أحوالهم ؛ فوصفوا أولا بأنهم لا يشعرون بوقت البعث ثم بأنهم تلقفوا في شأن الآخرة التي البعث من شؤونها علما مضطربا أو جهلا فخبطوا في شك ومرية ، فأعقبهم عمى وضلالة بحيث إن هذه الانتقالات مندرجة متصاعدة حتى لو قيل : بل ادّارك علمهم في الآخرة فهم في شك منها فهم منها