الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

290

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

معنى الوراثة لمن سبق ، فكل حي هو خلف عن سلفه . والأمة خلف عن أمة كانت قبلها جيلا بعد جيل . وهذا كقوله تعالى حكاية لقول نوح هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها [ هود : 61 ] . وهذه مرتبة التحسيني . وقد جمعت الآية الإشارة إلى مراتب المناسب وهو ما يجلب نفعا أو يدفع ضررا وهو من مسالك العلة في أصول الفقه . ولما اقتضته الخلافة من تجدد الأبناء عقب الآباء والأجيال بعد الأجيال ، وما اقتضته الاستجابة وكشف السوء من كثرة الداعين والمستائين عبر في أفعال الجعل التي تعلقت بها بصيغة المضارع الدال على التجدد بخلاف أفعال الجعل الأربعة التي في الآية قبلها . ثم استؤنف عقب هذا الاستدلال باستفهام إنكاري تكريرا لما تقدم عقب الأدلة السابقة زيادة في تعداد خطئهم بقوله أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ . وانتصب قَلِيلًا على الحال من ضمير الخطاب في قوله وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أي فعل ذلك لكم وأنتم في حال قلة تذكركم ، فتفيد الحال معنى التعجب من حالهم . والتذكر : من الذّكر بضم الذال وهو ضد النسيان فهو استحضار المعلوم ، أي قليلا استحضاركم الافتقار إلى اللّه وما أنتم فيه من إنعامه فتهتدوا بأنه الحقيق بأن لا تشركوا معه غيره . فالمقصود من التذكر التذكر المفيد استدلالا . و ما مصدرية والمصدر هو فاعل قَلِيلًا . والقليل هنا مكنّى به عن المعدوم لأن التذكر المقصود معدوم منهم ، والكناية بالقليل عن المعدوم مستعملة في كلامهم . وهذه الكناية تلميح وتعريض ، أي إن كنتم تذكرون فإن تذكركم قليل . وأصل تَذَكَّرُونَ تتذكرون فأدغمت تاء التفعل في الذال لتقارب مخرجيهما تخفيفا وهو إدغام سماعي . وقرأ الجمهور تَذَكَّرُونَ بتاء الخطاب . وقرأه روح عن أبي عمرو وهشام عن ابن عامر بياء الغيبة على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، ففي قراءة الجمهور نكتة توجيه الخطاب إلى المشركين مكافحة لهم ، وفي قراءة روح وهشام نكتة الإعراض عنهم لأنهم استأهلوا الإعراض بعد تذكرهم .