الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

285

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ سورة النمل ( 27 ) : آية 60 ] أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ( 60 ) أم منقطعة بمعنى ( بل ) للإضراب الانتقالي من غرض إلى غرض مع مراعاة وجود معنى الاستفهام أو لفظه بعدها لأن ( أم ) لا تفارق معنى الاستفهام . انتقل بهذا الإضراب من الاستفهام الحقيقي التهكمي إلى الاستفهام التقريري ، ومن المقدمة الإجمالية وهي قوله آللَّهُ خَيْرٌ أما تشركون [ النمل : 59 ] ، إلى الغرض المقصود وهو الاستدلال . عدد اللّه الخيرات والمنافع من آثار رحمته ومن آثار قدرته . فهو استدلال مشوب بامتنان لأنه ذكرهم بخلق السماوات والأرض فشمل ذلك كل الخلائق التي تحتوي عليها الأرض من الناس والعجماوات ، فهو امتنان بنعمة إيجادهم وإيجاد ما به قوام شؤونهم في الحياة ، وبسابق رحمته ، كما عددها في موضع آخر عليهم بقوله اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [ الروم : 40 ] . ومن للاستفهام . وهي مبتدأ والخبر جملة خَلَقَ السَّماواتِ . . إلخ وهو استفهام تقريري على أن اللّه إله واحد لا شريك له ، ولا تقدير في الكلام . وذهب الزمخشري وجميع متابعيه إلى أن ( من ) موصولة وأن خبرها محذوف دل عليه قوله فيما تقدم آللَّهُ خَيْرٌ [ النمل : 59 ] وأن بعد ( أم ) همزة استفهام محذوفة ، والتقدير : بل أمّن خلق السماوات إلخ خير أم ما تشركون . وهو تفسير لا داعي إليه ولا يناسب معنى الإضراب لأنه يكون من جملة الغرض الأول على ما فسر به في « الكشاف » فلا يجدر به إضراب الانتقال . فالاستفهام تقرير كما دل عليه قوله في نهايته في أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ ، فهو تقرير لإثبات أن الخالق والمنبت والرازق هو اللّه ، وهو مشوب بتوبيخ ، فلذلك ذيل بقوله بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ كما سيأتي ، أي من غرض الدليل الإجمالي إلى التفصيل . والخطاب ب لَكُمْ موجه إلى المشركين للتعريض بأنهم ما شكروا نعمة اللّه . وذكر إنزال الماء لأنه من جملة ما خلقه اللّه ، ولقطع شبهة أن يقولوا : إن المنبت للشجر الذي فيه رزقنا هو الماء ، اغترارا بالسبب فبودروا بالتذكير بأن اللّه خلق الأسباب وهو خالق المسببات بإزالة الموانع والعوارض العارضة لتأثير الأسباب وبتوفير القوى الحاصلة في الأسباب ، وتقدير المقادير المناسبة للانتفاع بالأسباب ، فقد ينزل الماء بإفراط فيجرف الزرع والشجر أو يقتلهما ، ولذلك جمع بين قوله وَأَنْزَلَ وقوله فَأَنْبَتْنا تنبيها