الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
267
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يجوز أن يكون عطفا على قوله : هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي [ النمل : 40 ] الآية وما بينهما اعتراضا ، أي هذا من قول سليمان . ويجوز أن يكون عطفا على قوله : نَنْظُرْ أَ تَهْتَدِي [ النمل : 41 ] الآية وما بينهما اعتراضا كذلك ، ويجوز أن يكون عطفا على أَ هكَذا عَرْشُكِ وما بينهما اعتراضا به جوابها ، أي وقيل أوتينا العلم من قبلها ، أي قال القائل : أهكذا عرشك ، أي قال سليمان ذلك في ملئه عقب اختيار رأيها شكرا للّه على ما لديه من العلم ، أو قال بعض ملأ سليمان لبعض هذه المقالة . ولعلهم تخافتوا به أو رطنوه بلغتهم العبرية بحيث لا تفهمهم . وقالوا ذلك بهجين بأن فيهم من له من العلم ما ليس لملأ ملكة سبأ ، أي لا ننسى بما نشاهده من بهرجات هذه الملكة أننا في حالة عقلية أفضل . وأرادوا بالعلم علم الحكمة الذي علمه اللّه سليمان ورجال مملكته وتشاركهم بعض أهل سبأ في بعضه فقد كانوا أهل معرفة أنشئوا بها حضارة مبهتة . فمعنى : مِنْ قَبْلِها إن حمل على ظاهره أن قومهم بني إسرائيل كانوا أسبق في معرفة الحكمة وحضارة الملك من أهل سبأ لأن الحكمة ظهرت في بني إسرائيل من عهد موسى ، فقد سن لهم الشريعة ، وأقام لهم نظام الجماعة ، وعلمهم أسلوب الحضارة بتخطيط رسوم مساكنهم وملابسهم ونظام الجيش والحرب والمواسم والمحافل . ثم أخذ ذلك يرتقي إلى أن بلغ غاية بعيدة في مدة سليمان ، فبهذا الاعتبار كان بنو إسرائيل أسبق إلى علم الحكمة قبل أهل سبأ ، وإن أريد ب مِنْ قَبْلِها القبلية الاعتبارية وهي الفضل والتفوق في المزايا وهو الأليق بالمعنى كان المعنى : إنّا أوسع وأقوى منها علما ، كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « نحن الأولون السابقون بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا » أي نحن الأولون في غايات الهدى ، وجعل مثلا لذلك اهتداء أهل الإسلام ليوم الجمعة فقال : « وهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا اللّه إليه » . فكان الأرجح أن يكون معنى مِنْ قَبْلِها أنّا فائتونها في العلم وبالغون ما لم تبلغه . وزادوا في إظهار فضلهم عليها بذكر الناحية الدينية ، أي وكنا مسلمين دونها . وفي ذكر فعل الكون دلالة على تمكنهم من الإسلام منذ القدم . وصدّها هي عن الإسلام ما كانت تعبد من دون اللّه ، أي صدّها معبودها من دون اللّه ، ومتعلق الصد محذوف لدلالة الكلام عليه في قوله : وَكُنَّا مُسْلِمِينَ . وما كانت تعبده هو الشمس . وإسناد الصدّ إلى المعبود مجاز عقلي لأنه سبب صدها عن التوحيد كقوله تعالى : وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [ هود : 101 ] وقوله : غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ [ الأنفال : 49 ] .