الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

253

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

واتخذ للمراسلة وسيلة الطير الزاجل من حمام ونحوه ، فالهدهد من فصيلة الحمام وهو قابل للتدجين ، فقوله : اذْهَبْ بِكِتابِي هذا يقتضي كلاما محذوفا وهو أن سليمان فكر في الاتصال بين مملكته وبين مملكة سبأ فأحضر كتابا وحمّله الهدهد . وتقدم القول على ( ما ذا ) عند قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ في سورة النحل [ 24 ] . وفعل انظر معلق عن العمل بالاستفهام . والإلقاء : الرمي إلى الأرض . وتقدم في قوله تعالى : وَأَلْقُوهُ فِي غيابات الجب في سورة يوسف [ 10 ] وهو هنا مستعمل إمّا في حقيقته إن كان شأن الهدهد أن يصل إلى المكان فيرمي الكتاب من منقاره ، وإما في مجازه إن كان يدخل المكان المرسل إليه فيتناول أصحابه الرسالة من رجله التي تربط فيها الرسالة فيكون الإلقاء مثل قوله : فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ في سورة النحل [ 86 ] . والمراد بالرّجع : رجع الجواب عن الكتاب ، أي من قبول أو رفض . وهذا كقوله الآتي : فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ [ النمل : 33 ] . [ 29 - 31 ] [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 29 إلى 31 ] قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ ( 29 ) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 30 ) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ( 31 ) طويت أخبار كثيرة دل عليها ما بين الخبرين المذكورين من اقتضاء عدة أحداث ، إذ التقدير : فذهب الهدهد إلى سبأ فرمى بالكتاب فأبلغ الكتاب إلى الملكة وهي في مجلس ملكها فقرأته ، قالت : يا أيها الملأ إلخ . وجملة : قالَتْ مستأنفة استئنافا بيانيا لأن غرابة قصة إلقاء الكتاب إليها يثير سؤالا عن شأنها حين بلغها الكتاب . و الْمَلَأُ : الجماعة من أشراف القوم وهم أهل مجلسها . وظاهر قولها : أُلْقِيَ إِلَيَّ أن الكتاب سلّم إليها دون حضور أهل مجلسها . وتقدم غير مرة وذلك أن يكون نظام بلاطها أن تسلم الرسائل إليها رأسا . والإلقاء تقدم آنفا . ووصف الكتاب بالكريم ينصرف إلى نفاسته في جنسه كما تقدم عند قوله تعالى : لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ في سورة الأنفال [ 74 ] ؛ بأن كان نفيس الصحيفة نفيس التخطيط