الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

243

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فالاستفهام عما حصل له في هذه الحال ، أي عن المانع لرؤية الهدهد . والكلام موجه إلى خفائه ، يعني : أكان انتفاء رؤيتي الهدهد من عدم إحاطة نظري أم من اختفاء الهدهد ؟ فالاستفهام حقيقي وهو كناية عن عدم ظهور الهدهد . و أَمْ منقطعة لأنها لم تقع بعد همزة الاستفهام التي يطلب بها تعيين أحد الشيئين . و أَمْ لا يفارقها تقدير معنى الاستفهام بعدها ، فأفادت هنا إضراب الانتقال من استفهام إلى استفهام آخر . والتقدير : بل أكان من الغائبين ؟ وليست أَمْ المنقطعة خاصة بالوقوع بعد الخبر بل كما تقع بعد الخبر تقع بعد الاستفهام . وصاحب « المفتاح » مثّل بهذه الآية لاستعمال الاستفهام في التعجب والمثال يكفي فيه الفرض . ولما كان قول سليمان هذا صادرا بعد تقصّيه أحوال الطير ورجح ذلك عنده أنه غاب فقال : لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ لأن تغيبه من دون إذن عصيان يقتضي عقابه ، وذلك موكول لاجتهاد سليمان في المقدار الذي يراه استصلاحا له إن كان يرجى صلاحه ، أو إعداما له لئلا يلقّن بالفساد غيره فيدخل الفساد في الجند وليكون عقابه نكالا لغيره . فصمم سليمان على أنه يفعل به عقوبة جزاء على عدم حضوره في الجنود . ويؤخذ من هذا جواز عقاب الجندي إذا خالف ما عيّن له من عمل أو تغيب عنه . وأما عقوبة الحيوان فإنما تكون عند تجاوزه المعتاد في أحواله . قال القرافي في « تنقيح الفصول » في آخر فصوله : سئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عن قتل الهرّ الموذي هل يجوز ؟ فكتب وأنا حاضر : إذا خرجت أذيته عن عادة القطط وتكرر ذلك منه قتل اه . قال القرافي : فاحترز بالقيد الأول عما هو في طبع الهر من أكل اللحم إذا ترك فإذا أكله لم يقتل لأنه طبعه ، واحترز بالقيد الثاني عن أن يكون ذلك منه على وجه القلة فإن ذلك لا يوجب قتله . قال القرافي : وقال أبو حنيفة : إذا آذت الهرة وقصد قتلها لا تعذب ولا تخنق بل تذبح بموسى حادة لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة » اه . وقال الشيخ ابن أبي زيد في « الرسالة » : ولا بأس إن شاء اللّه بقتل النمل إذا آذت ولم يقدر على تركها . فقول سليمان لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً شريعة منسوخة . أما العقاب الخفيف للحيوان لتربيته وتأديبه كضرب الخيل لتعليم السير ونحو ذلك فهو مأذون فيه لمصلحة السير ، وكذلك السبق بين الخيل مع ما فيه من إتعابها لمصلحة السير عليها في الجيوش .