الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
235
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إلا أن تؤدي الأمة واجبها نحو ملكها ، كما كان تعليم فضائل النبوة من مقاصد الشارع ، فقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنا سيّد ولد آدم ولا فخر » أي أقوله لقصد الإعلام بواجب التقادير لا لقصد الفخر على الناس ، ويعلموا واجب طاعته . وعلم منطق الطير أوتيه سليمان من طريق الوحي بأن أطلعه اللّه على ما في تقاطيع وتخاليف صفير الطيور أو نعيقها من دلالة على ما في إدراكها وإرادتها . وفائدة هذا العلم أن اللّه جعله سبيلا له يهتدي به إلى تعرف أحوال عالمية يسبق الطير إلى إدراكها بما أودع فيه من القوى الكثيرة ، وللطير دلالة في تخاطب أجناسها واستدعاء أصنافها والإنباء بما حولها ما فيه عون على تدبير ملكه وسياسة أمته ، مثل استخدام نوع الهدهد في إبلاغ الأخبار وردها ونحو ذلك . ووراء ذلك كله انشراح الصدر بالحكمة والمعرفة لكثير من طبائع الموجودات وخصائصها . ودلالة أصوات الطير على ما في ضمائرها : بعضها مشهور كدلالة بعض أصواته على نداء الذكور لإناثها ، ودلالة بعضها على اضطراب الخوف حين يمسكه ممسك أو يهاجمه كاسر ، ووراء ذلك دلالات فيها تفصيل ، فكل كيفية من تلك الدلالات الإجمالية تنطوي على تقاطيع خفية من كيفيات صوتية يخالف بعضها بعضا فيها دلالات على أحوال فيها تفضيل لما أجملته الأحوال المجملة ، فتلك التقاطيع لا يهتدي إليها الناس ولا يطلع عليها إلا خالقها ، وهذا قريب من دلالة مخارج الحروف وصفاتها في لغة من اللغات وفكّها وإدغامها واختلاف حركاتها على معان لا يهتدي إليها من يعرف تلك اللغة معرفة ضعيفة ولم يتقن دقائقها . مثل أن يسمع ضللت وظللت ، فاللّه تعالى اطلع سليمان بوحي على مختلف التقاطيع الصوتية التي في صفير الطير وأعلمه بأحوال نفوس الطير عندما تصفر بتلك التقاطيع ، وقد كان الناس في حيرة من ذلك كما قال المعري : أبكت تلكم الحمامة أم غنّ * ت على غصن دوحها الميّاد وقال صاحبنا الشاعر البليغ الشيخ عبد العزيز المسعودي من أبيات في هذا المعنى : فمن كان مسرورا يراه تغنيا * ومن كان محزونا يقول ينوح والاقتصار على منطق الطير إيجاز لأنه إذا علم منطق الطير وهي أبعد الحيوان عن الركون إلى الإنسان وأسرعها نفورا منه ، علم أن منطق ما هو أكثر اختلاطا بالإنسان حاصل له بالأحرى كما يدل عليه قوله تعالى فيما يأتي قريبا : فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها [ النمل : 19 ] ، فتدل هذه الآية على أنه علّم منطق كل صنف من أصناف الحيوان . وهذا العلم