الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
230
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
القيام بواجبات الرسالة ) لا يخافون شيئا من المخلوقات لأن اللّه تعالى تكفل لهم السلامة ، ولا يخافون الذنوب لأن اللّه تكفل لهم العصمة . ولا يخافون عقابا على الذنوب لأنهم لا يقربونها ، وأن من عداهم إن ظلم نفسه ثم بدّل حسنا بعد سوء أمن ممّا يخاف من عقاب الذنوب لأنه تدارك ظلمه بالتوبة ، وإن ظلم نفسه ولم يتب يخف عقاب الذنب فإن لم يظلم نفسه فلا خوف عليه . فهذه معان دلّ عليها الاستثناء باحتماليه ، وذلك إيجاز . وفي « تفسير ابن عطية » أن أبا جعفر قرأ : إِلَّا مَنْ ظَلَمَ بفتح همزة ( ألا ) وتخفيف اللام فتكون حرف تنبيه ، ولا تعرف نسبة هذه القراءة لأبي جعفر فيما رأينا من كتب علم القراءات فلعلها رواية ضعيفة عن أبي جعفر . وفعل بَدَّلَ يقتضي شيئين : مأخوذا ، ومعطى ، فيتعدى الفعل إلى الشيئين تارة بنفسه كقوله تعالى في الفرقان [ 70 ] فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ، ويتعدّى تارة إلى المأخوذ بنفسه وإلى المعطى بالباء على تضمينه معنى عاوض كما قال تعالى : وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ [ النساء : 2 ] ، أي لا تأخذوا خبيث المال وتضيّعوا طيّبه ، فإذا ذكر المفعولان منصوبين تعين المأخوذ والمبذول بالقرينة وإلا فالمجرور بالباء هو المبذول ، وإن لم يذكر إلا مفعول واحد فهو المأخوذ كقول امرئ القيس : وبدّلت قرحا داميا بعد صحة * فيا لك من نعمى تبدّلن أبؤسا وكذلك قوله تعالى هنا : ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ أي أخذ حسنا بسوء ، فإن كلمة بَعْدَ تدل على أن ما أضيفت إليه هو الذي كان ثابتا ثم زال وخلفه غيره . وكذلك ما يفيد معنى ( بعد ) كقوله تعالى : ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ [ الأعراف : 95 ] فالحالة الحسنة هي المأخوذة مجعولة في موضع الحالة السيئة . [ 12 ] [ سورة النمل ( 27 ) : آية 12 ] وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 12 ) عطف على قوله : وَأَلْقِ عَصاكَ [ النمل : 10 ] وما بينهما اعتراض ، بعد أن أراه آية انقلاب العصا ثعبانا أراه آية أخرى ليطمئن قلبه بالتأييد ، وقد مضى في « طه » التصريح بأنه أراه آية أخرى . والمقصود من ذلك أن يجعل له ما تطمئن له نفسه من تأييد اللّه تعالى إياه عند لقاء فرعون . وقوله : فِي تِسْعِ آياتٍ حال من تَخْرُجْ بَيْضاءَ أي حالة كونها آية من تسع