الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
223
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إلى الإيمان يبرأ من هذا الحكم . وصيغ الخبر عنهم بالخسران في صيغة الجملة الاسمية وقرن بضمير الفصل للدلالة على ثبات مضمون الجملة وعلى انحصار مضمونها فيهم كما تقدم في قوله : وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [ النمل : 3 ] . وجاء المسند اسم تفضيل للدلالة على أنهم أوحدون في الخسران لا يشبهه خسران غيرهم ، لأن الخسران في الآخرة متفاوت المقدار والمدة وأعظمه فيهما خسران المشركين . [ 6 ] [ سورة النمل ( 27 ) : آية 6 ] وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ( 6 ) عطف على جملة : تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ [ النمل : 1 ] انتقال من التنويه بالقرآن إلى التنويه بالذي أنزل عليه بأن القرآن آيات دالة على أنه كتاب مبين . وذلك آية أنه من عند اللّه ، ثم بأنه آية على صدق من أنزل عليه إذ أنبأه بأخبار الأنبياء والأمم الماضين التي ما كان يعلمها هو ولا قومه قبل القرآن . وما كان يعلم خاصة أهل الكتاب إلا قليلا منها أكثره محرف . وأيضا فهذا تمهيد لما يذكر بعده من القصص . وتلقى مضارع لقاه مبنيّ للمجهول ، أي جعله لاقيا . واللّقيّ واللقاء : وصول أحد الشيئين إلى شيء آخر قصدا أو مصادفة . والتلقية : جعل الشيء لاقيا غيره ، قال تعالى : وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً [ الإنسان : 11 ] ، وهو هنا تمثيل لحال إنزال القرآن إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بحال التلقية كأنّ جبريل سعى للجمع بين النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والقرآن . وإنما بني الفعل إلى غير مذكور للعلم بأنه اللّه أو جبريل ، والمعنى واحد : وهو أنك مؤتى الوحي من لدن حكيم عليم . وتأكيد الخبر لمجرد الاهتمام لأن المخاطب هو النبي وهو لا يتردد في ذلك ، أو يكون التأكيد موجها إلى السامعين من الكفار على طريقة التعريض . وفي إقحام اسم لَدُنْ بين مِنْ و حَكِيمٍ تنبيه على شدة انتساب القرآن إلى جانب اللّه تعالى ، فإن أصل لَدُنْ الدلالة على المكان مثل ( عند ) ثم شاع إطلاقها على ما هو من خصائص ما تضاف هي إليه تنويها بشأنه ، قال تعالى : وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] . والحكيم : القوي الحكمة ، والعليم : الواسع العلم . وفي التنكير إيذان بتعظيم هذا