الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

212

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فجملة : أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وما عطف عليها مؤكدة لما اقتضته جملة : يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ من ذم الشعراء بطريق فحوى الخطاب . ومثلت حال الشعراء بحال الهائمين في أودية كثيرة مختلفة لأن الشعراء يقولون في فنون من الشعر من هجاء واعتداء على أعراض الناس ، ومن نسيب وتشبيب بالنساء ، ومدح من يمدحونه رغبة في عطائه وإن كان لا يستحق المدح ، وذمّ من يمنعهم وإن كان من أهل الفضل ، وربما ذمّوا من كانوا يمدحونه ومدحوا من سبق لهم ذمه . والهيام : هو الحيرة والتردد في المرعى . والواد : المنخفض بين عدوتين . وإنما ترعى الإبل الأودية إذا أقحلت الربى ، والربا أجود كلأ ، فمثّل حال الشعراء بحال الإبل الراعية في الأودية متحيرة ، لأن الشعراء في حرص على القول لاختلاب النفوس . و كُلِّ مستعمل في الكثرة . روي أنه اندسّ بعض المزّاحين في زمرة الشعراء عند بعض الخلفاء فعرف الحاجب الشعراء ، وأنكر هذا الذي اندسّ فيهم ، فقال له : هؤلاء الشعراء وأنت من الشعراء ؟ قال : بل أنا من الغاوين ، فاستطرفها . وشفّع مذمتهم هذه بمذمة الكذب فقال : وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ، والعرب يتمادحون بالصدق ويعيرون بالكذب ، والشاعر يقول ما لا يعتقد وما يخالف الواقع حتى قيل : أحسن الشعر أكذبه ، والكذب مذموم في الدين الإسلامي فإن كان الشعر كذبا لا قرينة على مراد صاحبه فهو قبيح ، وإن كان عليه قرينة كان كذبا معتذرا عنه فكان غير محمود . وفي هذا إبداء للبون الشاسع بين حال الشعراء وحال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الذي كان لا يقول إلا حقا ولا يصانع ولا يأتي بما يضلّل الأفهام . ومن اللطائف أن الفرزدق أنشد عند سليمان بن عبد الملك قوله : فبتن بجانبيّ مصرّعات * وبتّ أفضّ أغلاق الختام فقال سليمان : قد وجب عليك الحد . فقال : يا أمير المؤمنين قد درأ اللّه عني الحد بقوله : وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ . وروي أن النعمان بن عدي بن نضلة كان عاملا لعمر بن الخطاب فقال شعرا : من مبلغ الحسناء أن حليلها * بميسان يسقى في زجاج وحنتم