الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
21
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إلى ذكر ضلالهم في إنكار البعث على تأويل الجمهور قوله : إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ [ الفرقان : 10 ] كما تقدم . ويجوز أن يكون إضراب إبطال لما تضمنه قوله : إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ على تأويل ابن عطية من الوعد بإيتائه ذلك في الآخرة ، أي بل هم لا يقنعون بأن حظ الرسول عند ربه ليس في متاع الدنيا الفاني الحقير ولكنه في خيرات الآخرة الخالدة غير المتناهية ، أي أن هذا رد عليهم ومقنع لهم لو كانوا يصدّقون بالساعة ولكنهم كذبوا بها فهم متمادون على ضلالهم لا تقنعهم الحجج . والساعة : اسم غلب على عالم الخلود ، تسمية باسم مبدئه وهو ساعة البعث . وإنما قصر تكذيبهم على الساعة لأنهم كذبوا بالبعث فهم بما وراءه أحرى تكذيبا . وجملة : وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً معترضة بالوعيد لهم ، وهو لعمومه يشمل المشركين المتحدث عنهم ، فهو تذييل . ومن غرضه مقابلة ما أعد اللّه للمؤمنين في العاقبة بما أعده للمشركين . والسعير : الالتهاب ، وهو فعيل بمعنى مفعول ، أي مسعور ، أي زيد فيها الوقود ، وهو معامل معاملة المذكر لأنه من أحوال اللهب ، وتقدم في قوله تعالى : كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً في سورة الإسراء [ 97 ] . وقد يطلق علما بالغلبة على جهنم وذلك على حذف مضاف ، أي ذات سعير . [ 12 - 14 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 12 إلى 14 ] إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ( 12 ) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً ( 13 ) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً ( 14 ) تخلص من اليأس من اقتناعهم إلى وصف السعير الذي أعد لهم ، وأجري على السعير ضمير رَأَتْهُمْ بالتأنيث لتأويل السعير بجهنم إذ هو علم عليها بالغلبة كما تقدم . وإسناد الرؤية إلى النار استعارة والمعنى : إذا سيقوا إليها فكانوا من النار بمكان ما يرى الرائي من وصل إليه سمعوا لها تغيظا وزفيرا من مكان بعيد ، ويجوز أن يكون معنى : رَأَتْهُمْ رآهم ملائكتها أطلقوا منافذها فانطلقت ألسنتها بأصوات اللهيب كأصوات المتغيظ وزفيره فيكون إسناد الرؤية إلى جهنم مجازا عقليا .