الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

209

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الكلام ، لأن أسماء الاستفهام تضمنت معنى الاسمية وهو أصلها ، وتضمنت معنى همزة الاستفهام كما تضمنته هَلْ ، فإذا لزم مجيء حرف الجر مع أسماء الاستفهام ترجح فيها جانب الاسمية فدخل الحرف عليها ولم تقدّم هي عليه ، فلذلك تقول : أعلى زيد مررت ؟ ولا تقول : من على مررت ؟ وإنما تقول : على من مررت ؟ وكذا في بقية أسماء الاستفهام نحو عَمَّ يَتَساءَلُونَ [ النبأ : 1 ] ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [ عبس : 18 ] ، وقولهم : علام ، وإلام ، وحتّام ، و فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها [ النازعات : 43 ] . وأجيب الاستفهام هنا بقوله : تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ . و كُلِّ هنا مستعملة في معنى التكثير ، أي على كثير من الأفّاكين وهم الكهان ، قال النابغة : وكلّ صموت نثلة تبّعيّة * ونسج سليم كلّ قمصاء ذائل والأفاك كثير الإفك ، أي الكذب ، والأثيم كثير الإثم . وإنما كان الكاهن أثيما لأنه يضم إلى كذبه تضليل الناس بتمويه أنه لا يقول إلا صدقا ، وأنه يتلقى الخبر من الشياطين التي تأتيه بخبر السماء . وجعل للشياطين تَنَزَّلُ لأن اتصالها بنفوس الكهان يكون بتسلسل تموجات في الأجواء العليا كما تقدم في سورة الحجر . و يُلْقُونَ السَّمْعَ صفة ل كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ، أي يظهرون أنهم يلقون أسماعهم عند مشاهدة كواكب لتتنزل عليهم شياطينهم بالخبر ، وذلك من إفكهم وإثمهم . وإلقاء السمع : هو شدة الإصغاء حتى كأنه إلقاء للسمع من موضعه ، شبه توجيه حاسة السمع إلى المسموع الخفي بإلقاء الحجر من اليد إلى الأرض أو في الهواء قال تعالى : أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ ق : 37 ] ، أي أبلغ في الإصغاء ليعي ما يقال له . وهذا كما أطلق عليه إصغاء ، أي إمالة السمع إلى المسموع . وقوله : وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ أي أكثر هؤلاء الأفاكين كاذبون فيما يزعمون أنهم تلقوه من الشياطين وهم لم يتلقوا منها شيئا ، أي وبعضهم يتلقى شيئا قليلا من الشياطين فيكذب عليه أضعافه . ففي الحديث الصحيح أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سئل عن الكهان فقال : « ليسوا بشيء » قيل : يا