الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

207

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وعطف الأمر بالتوكل بفاء التفريع في قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر فيكون تفريعا على : فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [ الشعراء : 216 ] تنبيها على المبادرة بالعوذ من شر أولئك الأعداء وتنصيصا على اتصال التوكل بقوله : إِنِّي بَرِيءٌ . وقرأ الجمهور : وَتَوَكَّلْ بالواو وهو عطف على جواب الشرط ، أي قل : إني بريء وتوكل ، وعطفه على الجواب يقتضي تسببه على الشرط كتسبب الجواب وهو يستلزم البدار به ، فمآل القراءتين واحد وإن اختلف طريق انتزاعه . والمعنى : فإن عصاك أهل عشيرتك فتبرأ منهم . ولما كان التبرؤ يؤذن بحدوث مجافاة وعداوة بينه وبينهم ثبّت اللّه جأش رسوله بأن لا يعبأ بهم وأن يتوكل على ربه فهو كافيه كما قال : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [ الطلاق : 3 ] . وعلق التوكل بالاسمين الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ وما تبعهما من الوصف بالموصول وما ذيل به من الإيماء إلى أنه يلاحظ قوله ويعلم نيته ، إشارة إلى أن التوكل على اللّه يأتي بما أومأت إليه هذه الصفات ومستتبعاتها بوصف الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ للإشارة إلى أنه بعزته قادر على تغلبه على عدوّه الذي هو أقوى منه ، وأنه برحمته يعصمه منهم . وقد لوحظ هذان الاسمان غير مرة في هذه السورة لهذا الاعتبار كما تقدم . والتوكل : تفويض المرء أمره إلى من يكفيه مهمه ، وقد تقدم عند قوله تعالى : فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ في سورة آل عمران [ 159 ] . ووصفه تعالى : ب الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ مقصود به لازم معناه . وهو أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بمحل العناية منه لأنه يعلم توجهه إلى اللّه ويقبل ذلك منه ، فالمراد من قوله : يَراكَ رؤية خاصة وهي رؤية الإقبال والتقبل كقوله : فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [ الطور : 48 ] . والقيام : الصلاة في جوف الليل ، غلب هذا الاسم عليه في اصطلاح القرآن ، والتقلب في الساجدين هو صلاته في جماعات المسلمين في مسجده . وهذا يجمع معنى العناية بالمسلمين تبعا للعناية برسولهم ، فهذا من بركته صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد جمعها هذا التركيب العجيب الإيجاز . وفي هذه الآية ذكر صلاة الجماعة . قال مقاتل لأبي حنيفة : هل تجد الصلاة في الجماعة في القرآن ؟ فقال أبو حنيفة : لا يحضرني فتلا مقاتل هذه الآية . وموقع إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ موقع التعليل للأمر ب فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ