الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
200
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أما الفاء في قوله : فَيَقُولُوا فهي لإفادة التعقيب في الوجود وهو صادق بأسرع تعذيب فتكون خطرة في نفوسهم قبل أن يهلكوا في الدنيا ، أو يقولون ذلك ويرددونه يوم القيامة حين يرون العذاب وحين يلقون فيه . و هَلْ مستعملة في استفهام مراد به التمني مجازا . وجيء بعدها بالجملة الاسمية الدالة على الثبات ، أي تمنوا إنظارا طويلا يتمكنون فيه من الإيمان والعمل الصالح . [ 204 - 207 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 204 إلى 207 ] أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ( 204 ) أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ( 205 ) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ( 206 ) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ ( 207 ) نشأ عن قوله : فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [ الشعراء : 202 ] تقدير جواب عن تكرر سؤالهم : مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ يونس : 48 ] ، حيث جعلوا تأخر حصول العذاب دليلا على انتفاء وقوعه ، فأعقب ذلك بقوله : أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ . فالفاء في قوله : أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ تفيد تعقيب الاستفهام عقب تكرر قولهم مَتى هذَا الْوَعْدُ [ يونس : 48 ] ونحوه . والاستفهام مستعمل في التعجيب من غرورهم . والمعنى : أيستعجلون بعذابنا فما تأخيره إلا تمتيع لهم . وكانوا يستهزءون فيقولون : مَتى هذَا الْوَعْدُ ، ويستعجلون بالعذاب وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ [ ص : 16 ] . قال مقاتل : قال المشركون للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : يا محمد إلى متى تعدنا بالعذاب ولا تأتي به ، فنزلت أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ . وتقديم « بعذابنا » للرعاية على الفاصلة وللاهتمام به في مقام الإنذار ، أي ليس شأن مثله أن يستعجل لفظاعته . ولما كان استعجالهم بالعذاب مقتضيا أنهم في مهلة منه ومتعة بالسلامة وأن ذلك يغرهم بأنهم في منجاة من الوعيد الذي جاءهم على لسان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم جابههم بجملة : أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ . والاستفهام في أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ للتقرير . و ما في قوله : ما أَغْنى عَنْهُمْ استفهامية وهو استفهام مستعمل في الإنكار ، أي لم يغن عنهم شيئا . والرؤية في أَ فَرَأَيْتَ قلبية ، أي أفعلمت . والخطاب لغير معين يعمّ كل مخاطب حتى المجرمين . وجملة : إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ معترضة وجواب الشرط محذوف دل عليه ما سدّ مسدّ