الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
194
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص وأبو جعفر بتخفيف زاي نَزَلَ ورفع الرُّوحُ . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب وخلف نَزَلَ بتشديد الزاي ونصب الرُّوحُ الْأَمِينُ ، أي نزّله اللّه به . و الرُّوحُ الْأَمِينُ جبرئيل وهو لقبه في القرآن ، سمّي روحا لأن الملائكة من عالم الروحانيات وهي المجردات . وتقدم الكلام على الروح في سورة الإسراء ، وتقدم رُوحُ الْقُدُسِ في البقرة [ 87 ] . ونزول جبريل إذن اللّه تعالى ، فنزوله تنزيل من رب العالمين . و الْأَمِينُ صفة جبريل لأن اللّه أمنه على وحيه . والباء في قوله : نَزَلَ بِهِ للمصاحبة . والقلب : يطلق على ما به قبول المعلومات كما قال تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [ ق : 37 ] أي إدراك وعقل . وقوله : عَلى قَلْبِكَ يتعلق بفعل نَزَلَ ، و عَلى للاستعلاء المجازي لأن النزول وصول من مكان عال فهو مقتض استقرار النازل على مكان . ومعنى نزول جبريل على قلب النبي عليهما السلام : اتصاله بقوة إدراك النبي لإلقاء الوحي الإلهي في قوّته المتلقّية للكلام الموحى بألفاظه ، ففعل ( نزل ) حقيقة . وحرف عَلى مستعار للدلالة على التمكن مما سمي بقلب النبي مثل استعارته في قوله تعالى : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [ البقرة : 5 ] . وقد وصف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك كما في حديث « الصحيحين » عن عائشة رضي اللّه عنها أن الحارث بن هشام سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول » . وهذان الوصفان خاصّان بوحي نزول القرآن . وثمة وحي من قبيل إبلاغ المعنى وسمّاه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث آخر نفثا . فقال : « إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستوفي أجلها » . فهذا اللفظ ليس من القرآن فهو وحي بالمعنى ( والروع : العقل ) وقد يكون الوحي في رؤيا النوم فإن النبي لا ينام قلبه ، ويكون أيضا بسماع كلام اللّه من وراء حجاب ، وقد بيّنا في شرح الحديث النكتة في اختصاص إحدى الحالتين ببعض الأوقات .