الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
184
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وفرعوا على تكذيبه المطالبة بأن يأتي بآية على صدقه ، أي أن يأتي بخارق عادة يدل على أن اللّه صدقه في دعوى الرسالة عنه . وفرضوا صدقه بحرف إِنْ الشرطية الغالب استعمالها في الشّك . ومعنى مِنَ الصَّادِقِينَ من الفئة المعروفين بالصدق يعنون بذلك الرسل الصادقين لدلالته على تمكن الصدق منه ، كما تقدم في قوله : مِنَ الْمَرْجُومِينَ [ الشعراء : 116 ] . [ 155 - 159 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 155 إلى 159 ] قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 155 ) وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 156 ) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ ( 157 ) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 158 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 159 ) اسم الإشارة إلى ناقة جعلها لهم آية . وتقدم خبر هذه الناقة في سورة هود ، وذكر أن صالحا جعل لها شربا ، وهو بكسر الشين وسكون الراء : النوبة في الماء ، للناقة يوما تشرب فيه لا يزاحمونها فيه بأنعامهم . والكلام على عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ نظير الكلام على نظيره في قصة عاد ورسولهم . وأصبحوا نادمين لما رأوا أشراط العذاب الذي توعدهم به صالح ولذلك لم ينفعهم الندم لأن العذاب قد حلّ بهم سريعا ، فلذلك عطف بفاء التعقيب على نادِمِينَ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ . وتقدم نظير قوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً الآية . [ 160 - 164 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 160 إلى 164 ] كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ ( 160 ) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَ لا تَتَّقُونَ ( 161 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 162 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 163 ) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ( 164 ) القول في موقعها كالقول في سابقتها ، والقول في تفسيرها كالقول في نظيرتها . وجعل لوط أخا لقومه ولم يكن من نسبهم وإنما كان نزيلا فيهم ، إذ كان قوم لوط من أهل فلسطين من الكنعانيين ، وكان لوط عبرانيا وهو ابن أخي إبراهيم ولكنه لما استوطن بلادهم وعاشر فيهم وحالفهم وظاهرهم جعل أخا لهم كقول سحيم عبد بني الحسحاس :