الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
178
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والعذاب يجوز أن يريد به عذابا في الدنيا توعدهم اللّه به على لسانه ، ويجوز أن يريد به عذاب يوم القيامة . ووصف يَوْمٍ ب عَظِيمٍ على طريقة المجاز العقلي ، أي عظيم ما يحصل فيه من الأهوال . [ 136 - 140 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 136 إلى 140 ] قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ ( 136 ) إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ ( 137 ) وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 138 ) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 139 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 140 ) أجابوا بتأييسه من أن يقبلوا إرشاده فجعلوا وعظه وعدمه سواء ، أي هما سواء في انتفاء ما قصده من وعظه وهو امتثالهم . والهمزة للتسوية . وتقدم بيانها عند قوله : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ في سورة البقرة [ 6 ] . والوعظ : التخويف والتحذير من شيء فيه ضر ، والاسم الموعظة . وتقدم في قوله : وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ في سورة العقود [ 46 ] . ومعنى : أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ أم لم تكن في عداد الموصوفين بالواعظين ، أي لم تكن من أهل هذا الوصف في شيء ، وهو أشدّ في نفي الصفة عنه من أن لو قيل : أم لم تعظ ، كما تقدم في قوله تعالى : قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ في سورة البقرة [ 67 ] ، وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى : وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ في سورة الأنعام [ 56 ] ، وتقدم آنفا قوله في قصة نوح لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [ الشعراء : 116 ] . وجملة : إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ تعليل لمضمون جملة : سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ ، أي كان سواء علينا فلا نتّبع وعظك لأن هذا خلق الأولين . والإشارة ب هذا إلى شيء معلوم للفريقين حاصل في مقام دعوة هود إياهم ، وسيأتي بيانه . وقوله : خُلُقُ الْأَوَّلِينَ قرأه نافع وابن كثير وابن عامر وحمزة وعاصم وخلف بضم الخاء وضم اللام . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو والكسائي وأبو جعفر ويعقوب بفتح الخاء وسكون اللام .