الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

17

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والضمير عائد إلى الذين كفروا ، فمدلول الصفة مراعى كما تقدم . وقد أوردوا طعنهم في نبوءة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بصيغة الاستفهام عن الحالة المختصة به إذ أوردوا اسم الاستفهام ولام الاختصاص والجملة الحالية التي مضمونها مثار الاستفهام . والاستفهام تعجيبي مستعمل في لازمه وهو بطلان كونه رسولا بناء على أن التعجب من الدعوى يقتضي استحالتها أو بطلانها . وتركيب ما لِهذَا ونحوه يفيد الاستفهام عن أمر ثابت له ، فاسم الاستفهام مبتدأ و لِهذَا خبر عنه فمثار الاستفهام في هذه الآية هو ثبوت حال أكل الطعام والمشي في الأسواق للذي يدعي الرسالة من اللّه . فجملة : يَأْكُلُ الطَّعامَ جملة حال . وقولهم : لِهذَا الرَّسُولِ أجروا عليه وصف الرسالة مجاراة منهم لقوله وهم لا يؤمنون به ولكنهم بنوا عليه ليتأتى لهم التعجب والمراد منه الإحالة والإبطال . والإشارة إلى حاضر في الذهن ، وقد بين الإشارة ما بعدها من اسم معرّف بلام العهد وهو الرسول . وكنّوا بأكل الطعام والمشي في الأسواق عن مماثلة أحواله لأحوال الناس تذرعا منهم إلى إبطال كونه رسولا لزعمهم أن الرسول عن اللّه تكون أحواله غير مماثلة لأحوال الناس ، وخصّوا أكل الطعام والمشي في الأسواق لأنهما من الأحوال المشاهدة المتكررة ، ورد اللّه عليهم قولهم هذا بقوله : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان : 20 ] . ثم انتقلوا إلى اقتراح أشياء تؤيد رسالته فقالوا : لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً . وخصوا من أحوال الرسول حال النذارة لأنها التي أنبتت حقدهم عليه . و ( لولا ) حرف تحضيض مستعمل في التعجيز ، أي لو أنزل إليه ملك لا تبعناه . وانتصب ( فيكون ) على جواب التحضيض . و ( أو ) للتخيير في دلائل الرسالة في وهمهم . ومعنى يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أي ينزل إليه كنز من السماء ، إذ كان الغنى فتنة لقلوبهم . والإلقاء : الرمي ، وهو هنا مستعار للإعطاء من عند اللّه لأنهم يتخيلون اللّه تعالى في السماء .