الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
143
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والشرذمة : الطائفة القليلة من الناس ، هكذا فسره المحققون من أئمة اللغة ، فإتباعه بوصف قَلِيلُونَ للتأكيد لدفع احتمال استعمالها في تحقير الشأن أو بالنسبة إلى جنود فرعون ، فقد كان عدد بني إسرائيل الذين خرجوا ستمائة ألف ، هكذا قال المفسرون ، وهو موافق لما في سفر العدد من التوراة في الإصحاح السادس والعشرين . و قَلِيلُونَ خبر ثان عن اسم الإشارة ، فهو وصف في المعنى لمدلول هؤُلاءِ وليس وصفا لشرذمة ولكنه مؤكد لمعناها ، ولهذا جيء به بصيغة جمع السلامة الذي هو ليس من جموع الكثرة . و ( قليل ) إذا وصف به يجوز مطابقته لموصوفه كما هنا ، ويجوز ملازمته الإفراد والتذكير كما قال السموأل أو الحارثي : وما ضرّنا أنا قليل . . . البيت ونظيره في ذلك لفظ ( كثير ) وقد جمعهما قوله تعالى : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ [ الأنفال : 43 ] . و « غائظون » اسم فاعل من غاظه الذي هو بمعنى أغاظه ، أي جعله ذا غيظ . والغيظ : أشد الغضب . وتقدم في قوله تعالى : عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ في آل عمران [ 119 ] ، وقوله : وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ في سورة براءة [ 15 ] ، أي وأنهم فاعلون ما يغضبنا . واللام في قوله : لَنا لام التقوية واللام في لَغائِظُونَ لام الابتداء ، وتقديم لَنا على لَغائِظُونَ للرعاية على الفاصلة . وقوله : وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ حثّ لأهل المدائن على أن يكونوا حذرين على أبلغ وجه إذ جعل نفسه معهم في ذلك بقوله : لَجَمِيعٌ وذلك كناية عن وجوب الاقتداء به في سياسة المملكة ، أي إنا كلّنا حذرون ، فجميع وقع مبتدأ وخبره حاذِرُونَ ، والجملة خبر إن ، و ( جميع ) بمعنى : ( كل ) كقوله تعالى : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً في سورة يونس [ 4 ] . و حاذِرُونَ قرأه الجمهور بدون ألف بعد الحاء فهو جمع حذر وهو من أمثلة المبالغة عند سيبويه والمحققين . وقرأ حمزة وعاصم والكسائي وابن ذكوان عن ابن عامر وخلف بألف بعد الحاء جمع ( حاذر ) بصيغة اسم الفاعل . والمعنى : أن الحذر من شيمته