الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

142

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أَنْ . لأجل التقاء الساكنين . وقرأ الباقون بهمزة قطع وسكون نون ( أن ) وفعلا سرى وأسرى متحدان كما تقدم في قوله تعالى : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى [ الإسراء : 1 ] . [ 53 - 56 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 53 إلى 56 ] فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 53 ) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ( 54 ) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ ( 55 ) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ ( 56 ) ظاهر ترتيب الجمل يقتضي أن الفاء للتعقيب على جملة : وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى [ الشعراء : 52 ] وأن بين الجملتين محذوفا تقديره : فأسرى موسى وخرج بهم فأرسل فرعون حاشرين ، أي لما خرج بنو إسرائيل خشي فرعون أن ينتشروا في مدائن مصر فأرسل فرعون في المدائن شرطا يحشرون الناس ليلحقوا بني إسرائيل فيردّوهم إلى المدينة قاعدة الملك . و الْمَدائِنِ : جمع مدينة ، أي البلد العظيم . ومدائن القطر المصري يومئذ كثيرة . منها ( مانوفرى أو منفيس ) هي اليوم ميت رهينة بالجيزة و ( تيبة أو طيبة ) هي بالأقصر و ( أبودو ) وتسمى اليوم العرابة المدفونة ، و ( أبو ) وهي ( بو ) وهي ادنو ، و ( اون رميسي ) ، و ( أرمنت ) و ( سنى ) وهي أسناء و ( ساورت ) وهي السيوط ، و ( خمونو ) وهي الاشمونيين ، و ( بامازيت ) وهي البهنسا ، و ( خسوو ) وهي سخا ، و ( كاريينا ) وهي سد أبي قيرة ، و ( سودو ) وهي الفيوم ، و ( كويتي ) وهي قفط . والتعريف في الْمَدائِنِ للاستغراق ، أي في مدائن القطر المصري ، وهو استغراق عرفي ، أي المدائن التي لحكم فرعون أو المظنون وقوعها قرب طريقهم . وكان فرعون وقومه لا يعلمون أين اتجه بنو إسرائيل فأراد أن يتعرض لهم في كل طريق يظن مرورهم به . وكان لا يدري لعلهم توجهوا صوب الشام ، أو صوب الصحراء الغربية ، وما كان يظن أنهم يقصدون شاطئ البحر الأحمر بحر « القلزم » وكان يومئذ يسمى بحر « سوف » . وجملة إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ مقول لقول محذوف لأن حاشِرِينَ يتضمن معنى النداء ، أي يقولون إن هؤلاء لشرذمة قليلون . والإشارة ب هؤُلاءِ إلى حاضر في أذهان الناس لأن أمر بني إسرائيل قد شاع في أقطار مصر في تلك المدة التي بين جمع السحرة وبين خروج بني إسرائيل ، وليست الإشارة للسحرة خاصة إذ لا يلتئم ذلك مع القصة . وفي اسم الإشارة إيماء إلى تحقير لشأنهم أكده التصريح بأنهم شرذمة قليلون .