الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

113

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وفي إجراء ضمير العقلاء في قوله : خاضِعِينَ على الأعناق تجريد للمجاز العقلي في إسناد خاضِعِينَ إلى أَعْناقُهُمْ لأن مقتضى الجري على وتيرة المجاز أن يقال لها : خاضعة ، وذلك خضوع من توقع لحاق العذاب النازل . وعن مجاهد : أن الأعناق هنا جمع عنق بضمتين يطلق على سيد القوم ورئيسهم كما يطلق عليه رأس القوم وصدر القوم ، أي فظلت سادتهم ، يعني الذين أغروهم بالكفر خاضعين ، فيكون الكلام تهديدا لزعمائهم الذين زيّنوا لهم الاستمرار على الكفر ، وهو تفسير ضعيف . وعن ابن زيد والأخفش : الأعناق الجماعات واحدها عنق بضمتين جماعة الناس ، أي فظلّوا خاضعين جماعات جماعات ، وهذا أضعف من سابقه . ومن بدع التفاسير وركيكها ما نسبه الثعلبي إلى ابن عباس أنه قال : نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هوان بعد عزّة ، وهذا من تحريف كلم القرآن عن مواضعه ونحاشي ابن عباس رضي اللّه عنه أن يقوله وهو الذي دعا له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يعلّمه التأويل . وهذا من موضوعات دعاة المسوّدة مثل أبي مسلم الخراساني وكم لهم في الموضوعات من اختلاق ، والقرآن أجلّ من أن يتعرض لهذه السفاسف . وقرأ الجمهور : نُنَزِّلْ بالتشديد في الزاي وفتح النون الثانية . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بضم النون الثانية وتخفيف الزاي . [ 5 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 5 ] وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ( 5 ) عطف على جملة : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 3 ] أي هذه شنشنتهم فلا تأسف لعدم إيمانهم بآيات الكتاب المبين ، وما يجيئهم منها من بعد فسيعرضون عنه لأنهم عرفوا بالإعراض . والمضارع هنا لإفادة التجدد والاستمرار . فالذكر هو القرآن لأنه تذكير للناس بالأدلة . وقد تقدم وجه تسميته ذكرا عند قوله تعالى : وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ في سورة الحجر [ 6 ] . والمحدث : الجديد ، أي من ذكر بعد ذكر يذكّرهم بما أنزل من القرآن من قبله فالمعنى المستفاد من وصفه بالمحدث غير المعنى المستفاد من إسناد صيغة المضارع في قوله : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ . فأفاد الأمران أنه ذكر متجدّد مستمر وأن بعضه يعقب بعضا ويؤيده . وقد تقدم في سورة الأنبياء [ 2 ، 3 ] قوله : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ