الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

91

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قد عرفت آنفا نكتة تكرير القول . والملكوت : مبالغة في الملك بضم الميم . فالملكوت : الملك المقترن بالتصرف في مختلف الأنواع والعوالم لذلك جاء بعده كُلِّ شَيْءٍ . واليد : القدرة . ومعنى يُجِيرُ يغيث ويمنع من يشاء من الأذى . ومصدره الإجارة فيفيد معنى الغلبة ، وإذا عدي بحرف الاستعلاء أفاد أن المجرور مغلوب على أن لا ينال المجار بأذى فمعنى لا يُجارُ عَلَيْهِ لا يستطيع أحد أن يمنع أحدا من عقابه . فيفيد معنى العزة التامة . وبني فعل يُجارُ عَلَيْهِ للمجهول لقصد انتفاء الفعل عن كل فاعل فيفيد العموم مع الاختصار . ولما كان تصرف اللّه هذا خفيا يحتاج إلى تدبر العقل لإدراكه عقب الاستفهام بقوله : إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ كما عقب الاستفهام الأول بمثله حثا لهم على علمه والاهتداء إليه . ثم عقب بما يدل على أنهم إذا تدبروا علموا فقيل سَيَقُولُونَ لِلَّهِ . وقرأ الجمهور سَيَقُولُونَ لِلَّهِ بلام الجر داخلة على اسم الجلالة مثل سالفه . وقرأه أبو عمرو ويعقوب بدون لام وقد علمت ذلك في نظيره السابق . ( وأنّى ) يجوز أن تكون بمعنى ( من أين ) كما تقدم في سورة آل عمران [ 37 ] قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا والاستفهام تعجيبي . والسحر مستعار لترويج الباطل بجامع تخيل ما ليس بواقع واقعا . والمعنى : فمن أين اختل شعوركم فراج عليكم الباطل . فالمراد بالسحر ترويج أئمة الكفر عليهم الباطل حتى جعلوهم كالمسحورين . [ 90 ] [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 90 ] بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 90 ) إضراب لإبطال أن يكونوا مسحورين ، أي بل ليس الأمر كما خيل إليهم . فالذي أتيناهم به الحق يعني القرآن . والباء للتعدية كما يقال : ذهب به أي أذهبه . وهذا كقوله آنفا بل آتيناهم بذكرهم [ المؤمنون : 71 ] . والعدول عن الخطاب من قوله فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [ المؤمنون : 89 ] إلى الغيبة التفات لأنهم الموجه إليهم الكلام في هذه الجملة . والحق هنا : الصدق فلذلك قوبل بنسبتهم إلى الكذب فيما رموا به القرءان من قولهم إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [ المؤمنون : 83 ] وفي