الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
82
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ المؤمنون : 75 ] بسابق إصرارهم على الشرك والإعراض عن الالتجاء إلى اللّه وعدم الاتعاظ بأن ما حل بهم من العذاب هو جزاء شركهم . والجملة المتقدمة خطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلّم وهو يعلم صدقه فلم يكن بحاجة إلى الاستظهار عليه . ولكنه لما كان متعلقا بالمشركين وكان بحيث يبلغ أسماعهم وهم لا يؤمنون بأنه كلام من لا شك في صدقه ، كان المقام محفوفا بما يقتضي الاستدلال عليهم بشواهد أحوالهم فيما مضى ؛ ولذلك وقع قبله فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ [ المؤمنون : 54 ] ، ووقع بعده قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ المؤمنون : 84 ] . والتعريف في قوله بِالْعَذابِ للعهد ، أي بالعذاب المذكور آنفا في قوله : حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ [ المؤمنون : 64 ] إلخ . ومصبّ الحال هو ما عطف على جملتها من قوله فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ ، فلا تتوهمنّ أن إعادة ذكر العذاب هنا تدل على أنه عذاب آخر غير المذكور آنفا مستندا إلى أن إعادة ذكر الأول لا طائل تحتها . وهذه الآية في معنى قوله في سورة الدخان [ 13 - 15 ] أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ إلى قوله إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ . والمعنى فلم يكن حظهم حين أخذناهم بالعذاب إلا العويل والجؤار دون التوبة والاستغفار . وقيل : هذا عذاب آخر سابق للعذاب المذكور آنفا فيتركب هذا على التفاسير المتقدمة أنه عذاب الجوع الأول أو عذاب الجوع الثاني بالنسبة لعذاب يوم بدر . والاستكانة : مصدر بمعنى الخضوع مشتقة من السكون لأن الذي يخضع يقطع الحركة أمام من خضع له ، فهو افتعال من السكون للدلالة على تمكن السكون وقوته . وألفه ألف الافتعال مثل الاضطراب ، والتاء زائدة كزيادتها في استعاذة . وقيل الألف للإشباع ، أي زيدت في الاشتقاق فلازمت الكلمة . وليس ذلك من الإشباع الذي يستعمله المستعملون شذوذا كقول طرفة : ينباع من ذفري غضوب جسرة أي ينبع . وأشار في « الكشاف » إلى الاستشهاد على الإشباع في نحوه إلى قول ابن هرمة : وأنت من الغوائل حين ترمي * ومن ذم الرجال بمنتزاح أراد : بمنتزح فأشبع الفتحة .