الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
80
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يعرض « 1 » له حتى يدّعي بمثل هذه الدعوى العظيمة بباطل ، ولم يجعل ذلك سلما إلى النيل من دنياهم واستعطاء أموالهم ، ولم يدعهم إلا إلى دين الإسلام الذي هو الصراط المستقيم مع إبراز المكنون من أدوائهم وهو إخلالهم بالتدبر والتأمل . واستهتارهم بدين الآباء الضّلّال من غير برهان ، وتعللهم بأنه مجنون بعد ظهور الحق وثبات التصديق من اللّه بالمعجزات والآيات النيرة ، وكراهتهم للحق وإعراضهم عما فيه حظهم من الذكر » ا ه . وجملة وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ معترضة تكميلا للغرض بالثناء على اللّه والتعريف بسعة فضله . ويفيد تأكيدا لمعنى فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ . [ 73 ، 74 ] [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 73 إلى 74 ] وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 73 ) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ ( 74 ) أعقب تنزيه الرسول عما افتروه عليه بتنزيه الإسلام عما وسموه به من الأباطيل والتنزيه بإثبات ضد ذلك وهو أنه صراط مستقيم ، أي طريق لا التواء فيه ولا عقبات ، فالكلام تعريض بالذين اعتقدوا خلاف ذلك . وإطلاق الصراط المستقيم عليه من حيث إنه موصل إلى ما يتطلبه كل عاقل من النجاة وحصول الخير ، فكما أن السائر إلى طلبته لا يبلغها إلا بطريق ، ولا يكون بلوغه مضمونا ميسورا إلا إذا كان الطريق مستقيما فالنبي صلى اللّه عليه وسلّم لما دعاهم إلى الإسلام دعاهم إلى السير في طريق موصل بلا عناء . والتأكيد ب ( إن ) واللام باعتبار أنه مسوق للتعريض بالمنكرين على ما دعاهم إليه النبي صلى اللّه عليه وسلّم . وكذلك التوكيد في قوله : وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ . والتعبير فيه بالموصول وصلته إظهار في مقام الإضمار حيث عدل عن أن يقول : وإنهم عن الصراط لناكبون . والغرض منه ما تنبئ به الصلة من سبب تنكبهم عن الصراط المستقيم أن سببه عدم إيمانهم بالآخرة . وتقدم قوله تعالى : قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ في سورة الحجر [ 41 ] . والتعريف في الصراط للجنس ، أي هم ناكبون عن الصراط من حيث هو حيث لم يتطلبوا طريق نجاة فهم ناكبون عن الطريق بله الطريق المستقيم ولذلك لم يكن التعريف
--> ( 1 ) فعل ملتزم بناؤه للنائب . ومعناه لم يكن مجنونا .