الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
62
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تحبه لأن الراغب في إرضاء شخص يكون متسارعا في إعطائه مرغوبه ، ويقال : فلان يجري في حظوظك . ومتعلق نُسارِعُ محذوف تقديره : نسارع لهم به ، أي بما نمدهم به من مال وبنين . وحذف لدلالة نُمِدُّهُمْ بِهِ عليه . وظرفية ( في ) مجازية . جعلت الْخَيْراتِ بمنزلة الطريق يقع فيه المسارعة بالمشي فتكون ( في ) قرينة مكنية . وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [ المائدة : 41 ] وقوله : فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ [ المائدة : 52 ] كلاهما في سورة العقود ، وقوله : إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ في سورة الأنبياء [ 90 ] . والخيرات : جمع خير بالألف والتاء ، وهو من المجموع النادرة مثل سرادقات . وقد تقدم عند قوله تعالى : وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ في سورة براءة [ 88 ] ، وتقدم في سورة الأنبياء [ 73 - 90 ] . و ( بل ) إضراب عن المظنون لا على الظن كما هو ظاهر بالقرينة ، أي لسنا نسارع لهم بالخيرات كما ظنوا بل لا يشعرون بحكمة ذلك الإمداد وأنها لاستدراجهم وفضحهم بإقامة الحجة عليهم . [ 57 - 61 ] [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 57 إلى 61 ] إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ( 57 ) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ( 58 ) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ ( 59 ) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ( 60 ) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ ( 61 ) هذا الكلام مقابل ما تضمنته الغمرة من قوله فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ [ المؤمنون : 54 ] من الإعراض عن عبادة اللّه وعن التصديق بآياته ، ومن إشراكهم آلهة مع اللّه ، ومن شحهم عن الضعفاء وإنفاق مالهم في اللذات ، ومن تكذيبهم بالبعث . كل ذلك مما شملته الغمرة فجيء في مقابلها بذكر أحوال المؤمنين ثناء عليهم ، ألا ترى إلى قوله بعد هذا بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا [ المؤمنون : 63 ] . فكانت هذه الجملة كالتفصيل لإجمال الغمرة مع إفادة المقابلة بأحوال المؤمنين . واختير أن يكون التفصيل بذكر المقابل لحسن تلك الصفات وقبح أضدادها تنزيها للذكر عن تعداد رذائلهم ، فحصل بهذا إيجاز بديع ، وطباق من ألطف البديع ، وصون للفصاحة من كراهة الوصف الشنيع .