الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

53

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

آخر حكي في قوله تعالى : وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [ القصص : 38 ] فإن فرعون كان معدودا في درجة الآلهة لأنه وإن كان بشرا في الصورة لكنه اكتسب الإلهية بأنه ابن الآلهة . والاستفهام في أَ نُؤْمِنُ إنكاري ، أي ما كان لنا أن نؤمن بهما وهما مثلنا في البشرية وليسا بأهل لأن يكونا ابنين للآلهة لأنهما جاءا بتكذيب إلهية الآلهة ، فكان ملأ فرعون لضلالهم يتطلبون لصحة الرسالة عن اللّه أن يكون الرسول مباينا للمرسل إليهم ، فلذلك كانوا يتخيلون آلهتهم أجناسا غريبة مثل جسد آدمي ورأس بقرة أو رأس طائر أو رأس ابن آوى أو جسد أسد ورأس آدمي ، ولا يقيمون وزنا لتباين مراتب النفوس والعقول وهي أجدر بظهور التفاوت لأنها قرارة الإنسانيّة . وهذه الشبهة هي سبب ضلال أكثر الأمم الذين أنكروا رسلهم . واللام في قوله : لِبَشَرَيْنِ لتعدية فعل نُؤْمِنُ . يقال للذي يصدّق المخبر فيما أخبر به : آمن له ، فيعدى فعل ( آمن ) باللام على اعتبار أنه صدّق بالخبر لأجل المخبر ، أي لأجل ثقته في نفسه . فأصل هذه اللام لام العلة والأجل . ومنه قوله تعالى : فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ [ العنكبوت : 26 ] وقوله : وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ [ الدخان : 21 ] . وأما تعدية فعل الإيمان بالباء فإنها إذا علق به ما يدل على الخبر تقول : آمنت بأن اللّه واحد . وبهذا ظهر الفرق بين قولك : آمنت بمحمد وقولك : آمنت لمحمد . فمعنى الأول : أنك صدقت شيئا . ولذلك لا يقال : آمنت للّه وإنما يقال : آمنت باللّه . وتقول : آمنت بمحمد وآمنت لمحمد . ومعنى الأول يتعلق بذاته وهو الرسالة ومعنى الثاني أنك صدقته فيما جاء به . و مِثْلِنا وصف لِبَشَرَيْنِ وهو مما يصح التزام إفراده وتذكيره دون نظر إلى مخالفة صيغة موصوفه كما هنا . ويصح مطابقته لموصوفه كما في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ [ الأعراف : 194 ] . وهذا طعن في رسالتهما من جانب حالهما الذاتي ثم أعقبوه بطعن من جهة منشئهما وقبيلهما فقالوا : وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ ، أي وهم من فريق هم عباد لنا وأحط منا فكيف يسوداننا . وقوله : عابِدُونَ جمع عابد ، أي مطيع خاضع . وقد كانت بنو إسرائيل خولا للقبط وخدما لهم قال تعالى : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ [ الشعراء : 22 ] .