الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

50

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجملة ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ معترضة بين المتعاطفة . وهي استئناف بياني لما يؤذن به قوله : ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً من كثرتها ولا يؤذن به وصفهم ب آخَرِينَ من جهل الناس بهم ، ولما يؤذن به عطف جملة ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا [ المؤمنون : 44 ] من انقراض هذه القرون بعد الأمة التي ذكرت قصتها آنفا في قوله ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ دون أن تجيئهم رسل ، فكان ذلك كله مما يثير سؤال سائل عن مدة تعميرهم ووقت انقراضهم . فيجاب بالإجمال لأن لكل قرن منهم أجلا عيّنه اللّه يبقى إلى مثله ثم ينقرض ويخلفه قرن آخر يأتي بعده ، أو يعمّر بعده قرن كان معاصرا له ، وأن ما عيّن لكل قرن لا يتقدمه ولا يتأخر عنه كقوله تعالى : لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [ يونس : 49 ] . والسبق : تجاوز السائر وتركه مسايره خلفه ، وعكسه التأخر . والمعنى واضح . والسين والتاء في يَسْتَأْخِرُونَ زائدتان للتأكيد مثل : استجاب . وضمير يَسْتَأْخِرُونَ عائد إلى أُمَّةٍ باعتبار الناس . [ 44 ] [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 44 ] ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ( 44 ) الرسل الذين جاءوا من بعد ، أي من بعد هذه القرون منهم إبراهيم ولوط ويوسف وشعيب . ومن أرسل قبل موسى ، ورسل لم يقصصهم اللّه على رسوله . والمقصود بيان اطراد سنة اللّه تعالى في استئصال المكذبين رسله المعاندين في آياته كما دل عليه قوله : فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً . و تَتْرا قرأه الجمهور بألف في آخره دون تنوين فهو مصدر على وزن فعلى مثل دعوى وسلوى ، وألفه للتأنيث مثل ذكرى ، فهو ممنوع من الصرف . وأصله : وترى بواو في أوله مشتقا من الوتر وهو الفرد . وظاهر كلام اللغويين أنه لا فعل له ، أي فردا فردا ، أي فردا بعد فرد فهو نظير مثنى . وأبدلت الواو تاء إبدالا غير قياسي كما أبدلت في ( تجاه ) للجهة المواجهة وفي ( تولج ) لكناس الوحش ( وتراث ) للموروث . ولا يقال تترى إلا إذا كان بين الأشياء تعاقب مع فترات وتقطّع . ومنه التواتر وهو تتابع الأشياء وبينها فجوات . والوتيرة : الفترة عن العمل . وأما التعاقب بدون فترة فهو التدارك . يقال : جاءوا متداركين ، أي متتابعين .