الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
46
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إعلامهم بالبعث مشتمل على وعد بالخير إن صدّقوا وعلى وعيد إن كذّبوا ، فذكر الفعلان على التوزيع إيجازا . وقوله : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا يجوز أن يكون بيانا للاستبعاد الذي في قوله : هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ واستدلالا وتعليلا له ، ولكلا الوجهين كانت الجملة مفصولة عن التي قبلها . وضمير هِيَ عائد إلى ما لم يسبق في الكلام بل عائد على مذكور بعده قصدا للإبهام ثم التفصيل ليتمكن المعنى في ذهن السامع . وهذا من مواضع عود الضمير على ما بعده إذا كان ما بعده بيانا له ، ولذلك يجعل الاسم الذي بعد الضمير عطف بيان . ومنه قول الشاعر أنشده في « الكشاف » المصراع الأول وأثبته الطيبي كاملا : هي النفس ما حملتها تتحمل * وللدهر أيام تجور وتعدل وقول أبي العلاء [ المعري ] : هو الهجر حتى ما يلم خيال * وبعض صدود الزائرين وصال ومبيّن الضمير هنا قوله إِلَّا حَياتُنَا فيكون الاسم الذي بعد ( إلا ) عطف بيان من الضمير . والتقدير : إن حياتنا إلا حياتنا الدنيا . ووصفها بالدنيا وصف زائد على البيان فلا يقدر مثله في المبيّن . وليس هذا الضمير ضمير القصة والشأن لعدم صلاحية المقام له . ولأنه في الآية مفسّر بالمفرد لا بالجملة وكذلك في بيت أبي العلاء . ولأن دخول ( لا ) النافية عليه يأبى من جعله ضمير شأن إذ لا معنى لأن يقال : لا قصة إلا حياتنا ، فدخلت عليه ( لا ) النافية للجنس لأنه في معنى اسم جنس لتبيينه باسم الجنس وهو حَياتُنَا . فالمعنى ليست الحياة إلا حياتنا هذه ، أي لا حياة بعدها . والدنيا : مؤنث الأدنى ، أي القريبة بمعنى الحاضرة . وضمير حَياتُنَا مراد به جميع القوم الذين دعاهم رسولهم . فقولهم : نَمُوتُ وَنَحْيا معناه : يموت هؤلاء القوم ويحيا قوم بعدهم . ومعنى نَحْيا : نولد ، أي يموت من يموت ويولد من يولد ، أو المراد : يموت من يموت فلا يرجع ويحيا من لم يمت إلى أن يموت . والواو لا تفيد ترتيبا بين معطوفها والمعطوف عليه . وعقبوه بالعطف في قوله :