الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
44
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
القسم لما في جواب القسم من مشابهة الجزاء لا سيما متى اقترن القسم بحرف شرط . والاستفهام في قوله أَ يَعِدُكُمْ للتعجب ، وهو انتقال من تكذيبه في دعوى الرسالة إلى تكذيبه في المرسل به . وقوله أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ إلى آخره مفعول يَعِدُكُمْ أي يعدكم إخراج مخرج إياكم . والمعنى : يعدكم إخراجكم من القبور بعد موتكم وفناء أجسامكم . وأما قوله : أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ فيجوز أن يكون إعادة لكلمة ( أنكم ) الأولى اقتضى إعادتها بعد ما بينها وبين خبرها . وتفيد إعادتها تأكيدا للمستفهم عنه استفهام استبعاد تأكيدا لاستبعاده . وهذا تأويل الجرمي والمبرد . ويجوز أن يكون أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ مبتدأ . ويكون قوله : إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً خبرا عنه مقدما عليه وتكون جملة إِذا مِتُّمْ إلى قوله مُخْرَجُونَ خبرا عن ( أنّ ) من قوله أَنَّكُمْ الأولى . وجعلوا موجب الاستبعاد هو حصول أحوال تنافي أنهم مبعوثون بحسب قصور عقولهم ، وهي حال الموت المنافي للحياة ، وحال الكون ترابا وعظاما المنافي لإقامة الهيكل الإنساني بعد ذلك . وأريد بالإخراج إخراجهم أحياء بهيكل إنساني كامل ، أي مخرجون للقيامة بقرينة السياق . وجملة هَيْهاتَ بيان لجملة يَعِدُكُمْ فلذلك فصلت ولم تعطف . و هَيْهاتَ كلمة مبنية على فتح الآخر وعلى كسره أيضا . وقرأها الجمهور بالفتح . وقرأها أبو جعفر بالكسر . وتدل على البعد . وأكثر ما تستعمل مكررة مرتين كما في هذه الآية أو ثلاثا كما جاء في شعر لحميد الأرقط وجرير يأتيان . واختلف فيها أهي فعل أم اسم ؛ فجمهور النحاة ذهبوا إلى أن ( هيهات ) اسم فعل للماضي من البعد ، فمعنى هيهات كذا : بعد . فيكون ما يلي ( هيهات ) فاعلا . وقيل هي اسم للبعد ، أي فهي مصدر جامد وهو الذي اختاره الزجاج في « تفسيره » . قال الراغب : وقال البعض : غلط الزجاج في « تفسيره » واستهواه اللام في قوله تعالى : هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ .