الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
41
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ولكون هذا مما قد يغيب عن الألباب نزّل منزلة الشيء المتردد فيه فأكد ب إِنَّ المخفّفة وبفعل كُنَّا . واللام هي الفارقة بين ( إن ) المؤكدة المخففة عند إهمال عملها وبين ( إن ) النافية . [ 31 ، 32 ] [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 31 إلى 32 ] ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ( 31 ) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 32 ) تعقيب قصة نوح وقومه بقصة رسول آخر ، أي أخرى ، وما بعدها من القصص يراد منه أن ما أصاب قوم نوح على تكذيبهم له لم يكن صدفة ولكنه سنة اللّه في المكذبين لرسله ولذلك لم يعيّن القرن ولا القرون بأسمائهم . والقرن : الأمة . والأظهر أن المراد به هنا ثمود لأنه الذي يناسبه قوله في آخر القصة فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ [ المؤمنون : 41 ] ، لأن ثمود أهلكوا بالصاعقة ولقوله قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ [ المؤمنون : 40 ] مع قوله في سورة الحجر [ 83 ] فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ فكان هلاكهم في الصباح . ولعل تخصيصهم بالذكر هنا دون عاد خلافا لما تكرر في غير هذه الآية لأن العبرة بحالهم أظهر لبقاء آثار ديارهم بالحجر كما قال تعالى : وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ [ الصافات : 137 ، 138 ] . وقوله فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا أي جعل الرسول بينهم وهو منهم ، أي من قبيلتهم . وضمير الجمع عائد إلى قَرْناً لأنه في تأويل ( الناس ) كقوله وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [ الحجرات : 9 ] . وعدّي فعل فَأَرْسَلْنا ب ( في ) دون ( إلى ) لإفادة أن الرسول كان منهم ونشأ فيهم لأن القرن لما لم يعين باسم حتى يعرف أن رسولهم منهم أو واردا إليهم مثل لوط لأهل ( سدوم ) ، ويونس لأهل ( نينوى ) ، وموسى للقبط . وكان التنبيه على أن رسولهم منهم مقصودا إتماما للمماثلة بين حالهم وحال الذين أرسل إليهم محمد صلى اللّه عليه وسلّم . وكلام رسولهم مثل كلام نوح . و ( أن ) تفسير لما تضمنه أرسلنا من معنى القول . [ 33 - 38 ]