الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

24

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تعلمونها وما أهملنا في خلقها رعي مصالحكم أيضا . والعدول عن الإضمار إلى الإظهار في قوله : وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ دون أن يقال : وما كنا عنكم غافلين ، لما يفيده المشتق من معنى التعليل ، أي ما كنا عنكم غافلين لأنكم مخلوقاتنا فنحن نعاملكم بوصف الربوبيّة ، وفي ذلك تنبيه على وجوب الشكر والإقلاع عن الكفر . [ 18 - 20 ] [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 18 إلى 20 ] وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ ( 18 ) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 19 ) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ ( 20 ) مناسبة عطف إنزال ماء المطر على جملة وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ [ المؤمنون : 17 ] أن ماء المطر ينزل من صوب السماء ، أي من جهة السماء . وفي إنزال ماء المطر دلالة على سعة العلم ودقيق القدرة ، وفي ذلك أيضا منة على الخلق فالكلام اعتبار وامتنان من قوله : فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ إلى آخره . ومعنى هذه الآية تقدّم في سورة الأنعام وسورة الرعد وسورة النحل . وإنزال الماء هو إسقاطه من السحب ماء وثلجا وبردا على السهول والجبال . والقدر هنا : التقدير والتعيين للمقدار في الكمّ وفي النّوبة ، فيصح أن يحمل على صريحه ، أي بمقدار معيّن مناسب للإنعام به لأنه إذا أنزل كذلك حصل به الري والتعاقب ، وكذلك ذوبان الثلوج النازلة . ويصح أن يقصد مع ذلك الكناية عن الضبط والإتقان . وليس المراد بالقدر هنا المعنى الذي في قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « وتؤمن بالقدر خيره وشره » . والإسكان : جعل الشيء في مسكن ، والمسكن : محل القرار ، وهو مفعل اسم مكان مشتق من السكون . وأطلق الإسكان على الإقرار في الأرض على طريق الاستعارة . وهذا الإقرار على نوعين : إقرار قصير مثل إقرار ماء المطر في القشرة الظاهرة من الأرض عقب نزول الأمطار على حسب ما تقتضيه غزارة المطر ورخاوة الأرض وشدة الحرارة أو شدة البرد ، وهو ما ينبت به النبات في الحرث والبقل في الربيع وتمتص منه الأشجار بعروقها فتثمر إثمارها وتخرج به عروق الأشجار وأصولها من البزور التي في الأرض .