الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

234

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

نسخا . والأمر في قوله : لِيَسْتَأْذِنْكُمُ للوجوب عند الجمهور . وقال أبو قلابة : هو ندب . فأما المماليك فلأن في عرف الناس أن لا يتحرجوا من اطلاع المماليك عليهم إذ هم خول وتبع . وقد تقدم ذلك آنفا عند قوله تعالى : أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ [ النور : 31 ] . وأما الأطفال فلأنهم لا عناية لهم بتطلع أحوال الناس . وتقدم آنفا عند قوله : أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ [ النور : 31 ] . كانت هذه الأوقات أوقاتا يتجرد فيها أهل البيت من ثيابهم كما آذن به قوله تعالى : وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ فكان من القبيح أن يرى مماليكهم وأطفالهم عوراتهم لأن ذلك منظر يخجل منه المملوك وينطبع في نفس الطفل لأنه لم يعتد رؤيته ، ولأنه يجب أن ينشأ الأطفال على ستر العورة حتى يكون ذلك كالسجية فيهم إذا كبروا . ووجّه الخطاب إلى المؤمنين وجعلت صيغة الأمر موجهة إلى المماليك والصبيان على معنى : لتأمروا الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم أن يستأذنوا عليكم ، لأن على أرباب البيوت تأديب أتباعهم ، فلا يشكل توجيه الأمر إلى الذين لم يبلغوا الحلم . وقوله : الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يشمل الذكور والإناث لمالكيهم الذكور والإناث . وأما مسألة النظر وتفصيلها في الكبير والصغير والذكر والأنثى فهي من علائق ستر العورة المفصلة في كتب الفقه . وقد تقدم شيء من ذلك عند قوله تعالى : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها إلى قوله : عَلى عَوْراتِ النِّساءِ [ النور : 31 ] فلا ينبغي التصدي بإيراد صورها في هذه الآية . وتعيين الاستئذان في هذه الأوقات الثلاثة لأنها أوقات خلوة الرجال والنساء وأوقات التعري من الثياب ، وهي أوقات نوم وكانوا غالبا ينامون مجردين من الثياب اجتزاء بالغطاء ، وقد سماها اللّه تعالى : عَوْراتِ . وما بعد صلاة العشاء هو الليل كله إلى حين الهبوب من النوم قبل الفجر . وانتصب ثَلاثَ مَرَّاتٍ على أنه مفعول مطلق ليستأذنكم لأن مرات في قوة استئذانات . وقوله : مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ ظرف مستقر في محل نصب على البدل من ثَلاثَ مَرَّاتٍ بدل مفصل من مجمل . وحرف ( من ) مزيد للتأكيد .