الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

209

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بقوله تعالى : ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ إلخ . وتقدم الكلام على السحاب في سورة البقرة [ 164 ] في قوله : وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ وفي أول سورة الرعد [ 12 ] . ودخلت ( بين ) على ضمير السحاب لأن السحاب ذو أجزاء كقول امرئ القيس : بين الدخول فحومل أي يؤلف بين السحابات منه . والركام : مشتق من الركم . والركم : الجمع والضم . ووزن فعال وفعالة يدل على معنى المفعول . فالركام بمعنى المركوم كما جاء في قوله تعالى : وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ في سورة الطور [ 44 ] . فإذا تراكم السحاب بعضه على بعض حدث فيه ما يسمى في علم حوادث الجو بالسيال الكهربائي وهو البرق . فقال بعض المفسرين : هو الودق . وأكثر المفسرين على أن الودق هو المطر ، وهو الذي اقتصرت عليه دواوين اللغة ، والمطر يخرج من خلال السحاب . والخلال : الفتوق ، جمع خلل كجبل وجبال . وتقدم خِلالَ الدِّيارِ في سورة الإسراء [ 5 ] . ومعنى يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ يسقط من علو إلى سفل ، أي ينزل من جو السماء إلى الأرض . والسماء : الجو الذي فوق جهة من الأرض . وقوله : مِنْ جِبالٍ بدل من السَّماءِ بإعادة حرف الجر العامل في المبدل منه وهو بدل بعض لأن المراد بالجبال سحاب أمثال الجبال . وإطلاق الجبال في تشبيه الكثرة معروف . يقال : فلان جبل علم ، وطود علم . وفي حديث البخاري من طريق أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « لو كان لي مثل أحد ذهبا لسرّني أن لا تمر علي ثلاث ليال وعندي منه شيء إلا شيئا أرصده لدين » أي ما كان يسرني ، فالكلام بمعنى النفي ، أي لما سرني . أو لما كان سرني إلخ . وحرف مِنْ الأول للابتداء و مِنْ الثاني كذلك و مِنْ في قوله مِنْ بَرَدٍ مزيدة في الإثبات على رأي الذين جوزوا زيادة مِنْ في الإثبات . أو تكون مِنْ اسما