الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

207

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عليه على وجه المجاز وأبقي لدلالة أصوات الطير اسم التسبيح لأنه يطلق مجازا على الدلالة بالصوت بعلاقة الإطلاق وذلك على التوزيع ؛ ولولا إرادة ذلك لقيل : كل قد علم تسبيحه ، أو كل قد علم صلاته . والخطاب في قوله : أَ لَمْ تَرَ للنبي صلى اللّه عليه وسلّم . والمراد من يبلغ إليه ، أو الخطاب لغير معيّن فيعم كل مخاطب كما هو الشأن في أمثاله . والاستفهام مستعمل كناية عن التعجيب من حال فريق المشركين الذين هم من أصحاب العقول ومع ذلك قد حرموا الهدى لما لم يجعله اللّه فيهم . وقد جعل الهدى في العجماوات إذ جبلها على إدراك أثر نعمة الوجود والرزق . وهذا في معنى قوله تعالى : إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [ الفرقان : 44 ] . والصافّات من صفات الطير يراد به صفهن أجنحتهن في الهواء حين الطيران . وتخصيص الطير بالذكر من بين المخلوقات للمقابلة بين مخلوقات الأرض والسماء بذكر مخلوقات في الجو بين السماء والأرض ولذلك قيّدت ب صَافَّاتٍ . وفعل عَلِمَ مراد به المعرفة لظهور الفرق بين علم العقلاء بصلاتهم وعلم الطير بتسبيحها فإن الثاني مجرد شعور وقصد للعمل . وضمائر عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ راجعة إلى كُلٌّ لا محالة . ولو كان المراد بها التوزيع على من في السماوات والأرض والطير من جهة وعلى اسم الجلالة من جهة لوقع ضمير فصل بعد عَلِمَ فلكان راجعا إلى اللّه تعالى . والرؤية هنا بصرية لأن تسبيح العقلاء مشاهد لكل ذي بصر ، وتسبيح الطير مشاهد باعتبار مسماه فما على الناظر إلا أن يعلم أن ذلك المسمى جدير باسم التسبيح . وعلى هذا الاعتبار كان الاستفهام الإنكاري مكين الوقع . وإن شئت قلت : إن جملة أَ لَمْ تَرَ جارية مجرى الأمثال في كلام البلغاء فلا التفات فيها إلى معنى الرؤية . وقيل : الرؤية هنا قلبية . وأغنى المصدر عن المفعولين . وجملة : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ تذييل وهو إعلام بسعة علم اللّه تعالى الشامل للتسبيح وغيره من الأحوال .