الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
205
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
واللجّيّ منسوب إلى اللجة ، واللج هو معظم البحر ، أي في بحر عميق ، فالنسب مستعمل في التمكن من الوصف كقول أبي النجم : والدهر بالإنسان دوّاريّ . أي دوّار ، وكقولهم : رجل مشركي ورجل غلّابي ، أي قوي الشرك وكثير الغلب . والموج : اسم جمع موجة والموجة : مقدار يتصاعد من ماء البحر أو النهر عن سطح مائه بسبب اضطراب في سطحه بهبوب ريح من جانبه يدفعه إلى الشاطئ . وأصله مصدر : ماج البحر ، أي اضطراب وسمي به ما ينشأ عنه . ومعنى : مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ أن الموج لا يتكسر حتى يلحقه موج آخر من فوقه وذلك أبقى لظلمته . والسحاب تقدم في سورة الرعد [ 12 ] . والسحاب يزيد الظلمة إظلاما لأنه يحجب ضوء النجم والهلال . وقوله : ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ استئناف . والتقدير : هي ظلمات والمراد بالظلمات التي هنا غير المراد بقوله : أَوْ كَظُلُماتٍ لأن الجمع هنا جمع أنواع وهنالك جمع أفراد من نوع واحد . وقرأ الجمهور : سَحابٌ ظُلُماتٌ بالتنوين فيهما . وقرأ البزي عن ابن كثير مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بترك التنوين في سَحابٌ وبإضافته إلى ظُلُماتٌ . وقرأه قنبل عن ابن كثير برفع سَحابٌ منونا وبجر ظُلُماتٌ على البدل من قوله : أَوْ كَظُلُماتٍ . وقوله : لَمْ يَكَدْ يَراها هو من قبيل قوله فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [ البقرة : 71 ] وقد تقدم وجه هذا الاستعمال في سورة البقرة وما فيه من قصة بيت ذي الرمة . وجملة : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ تذييل للتمثيل ، أي هم باءوا بالخيبة فيما ابتغوا مما عملوا وقد حفهم الضلال الشديد فيما عملوا حتى عدموا فائدته لأن اللّه لم يخلق في قلوبهم الهدى حين لم يوفقهم إلى الإيمان ، أي أن اللّه جبلهم غير قابلين للهدى فلم يجعل لهم قبوله في قلوبهم فلا يحل بها شيء من الهدى . وفيه تنبيه على أن اللّه تعالى متصرف بالإعطاء والمنع على حسب إرادته وحكمته وما