الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

192

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والإيقاد : وضع الوقود وهو ما يزاد في النار المشتعلة ليقوى لهبها ، وأريد به هنا ما يمد به المصباح من الزيت . وفي صيغة المضارع على قراءة الأكثرين إفادة تجدد إيقاده ، أي لا يذوى ولا يطفأ . وعلى قراءة ابن كثير ومن معه بصيغة المضي إفادة أن وقوده ثبت وتحقق . وذكرت الشجرة باسم جنسها ثم أبدل منه زَيْتُونَةٍ وهو اسم نوعها للإبهام الذي يعقبه التفصيل اهتماما بتقرر ذلك في الذهن . ووصف الزيتونة بالمباركة لما فيها من كثرة النفع فإنها ينتفع بحبها أكلا وبزيتها كذلك ويستنار بزيتها ويدخل في أدوية وإصلاح أمور كثيرة . وينتفع بحطبها وهو أحسن حطب لأن فيه المادة الدهنية قال تعالى : تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [ المؤمنون : 20 ] ، وينتفع بجودة هواء غاباتها . وقد قيل إن بركتها لأنها من شجر بلاد الشام والشام بلد مبارك من عهد إبراهيم عليه السلام قال تعالى : وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 71 ] يريد أرض الشام . ووصف الزيتونة ب مُبارَكَةٍ على هذا وصف كاشف ، ويجوز أن يكون وصفا مخصصا ل زَيْتُونَةٍ أي شجرة ذات بركة ، أي نماء ووفرة ثمر من بين شجر الزيتون فيكون ذكر هذا الوصف لتحسين المشبه به لينجر منه تحسين للمشبه كما في قول كعب بن زهير : شجت بذي شبم من ماء محنية * صاف بأبطح أضحى وهو مشمول تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه * من صوب سارية بيض يعاليل فإن قوله ، وأفرطه إلخ لا يزيد الماء صفاء ولكنه حالة تحسنه عند السامع . وقوله : لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ وصف ل زَيْتُونَةٍ . دخل حرف ( لا ) النافية في كلا الوصفين فصار بمنزلة حرف هجاء من الكلمة بعده ولذلك لم يكن في موضع إعراب نظير ( ال ) المعرفة التي ألغز فيها الدماميني بقوله : حاجيتكم لتخبروا ما اسمان * وأول إعرابه في الثاني وهو مبني بكل حال * ها هو للناظر كالعيان لإفادة الاتصاف بنفي كل وصف وعطف على كل وصف ضده لإرادة الاتصاف بوصف وسط بين الوصفين المنفيين لأن الوصفين ضدان على طريقة قولهم : « الرمان حلو حامض » . والعطف هنا من عطف الصفات كقوله تعالى : لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ