الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
189
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقد تأوله الأزهري بأن قصبة الزجاجة شبهت بالمشكاة وهي الكوة فأطلق عليها مشكاة . والمصباح : اسم للإناء الذي يوقد فيه بالزيت للإنارة ، وهو من صيغ أسماء الآلات مثل المفتاح ، وهو مشتق من اسم الصبح ، أي ابتداء ضوء النهار ، فالمصباح آلة الإصباح أي الإضاءة . وإذا كان المشكاة اسما للقصيبة التي توضع في جوف القنديل كان المصباح مرادا به الفتيلة التي توضع في تلك القصيبة . وإعادة لفظ الْمِصْباحُ دون أن يقال : فيها مصباح في زجاجة ، كما قال : كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ إظهار في مقام الإضمار للتنويه بذكر المصباح لأنه أعظم أركان هذا التمثيل ، وكذلك إعادة لفظ الزُّجاجَةُ في قوله : الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ لأنه من أعظم أركان التمثيل . ويسمى مثل هذه الإعادة تشابه الأطراف في فن البديع ، وأنشدوا فيه قول ليلى الأخيلية في مدح الحجاج بن يوسف : إذا أنزل الحجاج أرضا مريضة * تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها * غلام إذا هز القناة سقاها سقاها فروّاها بشرب سجاله * دماء رجال يحلبون صراها ومما فاقت به الآية عدم تكرار ذلك أكثر من مرتين . والزجاجة : اسم إناء يصنع من الزجاج ، سميت زجاجة لأنها قطعة مصنوعة من الزجاج بضم الزاي وتخفيف الجيمين ملحقة بآخر الكلمة هاء هي علامة الواحد من اسم الجمع كأنهم عاملوا الزجاج معاملة أسماء الجموع مثل تمر ، ونمل ، ونخل ، كانوا يتخذون من الزجاج آنية للخمر وقناديل للإسراج بمصابيح الزيت لأن الزجاج شفاف لا يحجب نور السراج ولا يحجب لون الخمر وصفاءها ليعلمه الشارب . والزجاج : صنف من الطين المطيّن من عجين رمل مخصوص يوجد في طبقة الأرض وليس هو رمل الشطوط . وهذا العجين اسمه في اصطلاح الكيمياء ( سليكا ) يخلط بأجزاء من رماد نبت يسمى في الكيمياء ( صودا ) ويسمى عند العرب الغاسول وهو الذي يتخذون منه الصابون . ويضاف إليهما جزء من الكلس ( الجير ) ومن ( البوتاس ) أو من ( أكسيد الرصاص ) فيصير ذلك الطين رقيقا ويدخل للنار فيصهر في أتون خاص به شديد الحرارة حتى يتميّع وتختلط أجزاؤه ثم يخرج من الأتون قطعا بقدر ما يريد الصانع أن