الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

183

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الظاهر أن لا تعطف لأن شأن التذييل والاستئناف الفصل كما فصلت أختها الآتية قريبا بقوله تعالى : لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ [ النور : 46 ] . وإنما عدل عن الفصل إلى العطف لأن هذا ختام التشريعات والأحكام التي نزلت السورة لأسبابها . وقد خللت بمثل هذا التذييل مرتين قبل هذا بقوله تعالى في ابتداء السورة وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ [ النور : 1 ] ثم قوله : وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ النور : 18 ] ثم قوله هنا : وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ فكان كل واحد من هذه التذييلات زائدا على الذي قبله ؛ فالأول زائد بقوله : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ [ النور : 18 ] لأنه أفاد أن بيان الآيات لفائدة الأمة ، وما هنا زاد بقوله : وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ . فكانت كل زيادة من هاتين مقتضية العطف لما حصل من المغايرة بينها وبين أختها ، وتعتبر كل واحدة عطفا على نظيرتها ، فوصفت السورة كلها بثلاث صفات ووصف ما كان من هذه السورة مشتملا على أحكام القذف والحدود وما يفضي إليها أو إلى مقاربها من أحوال المعاشرة بين الرجال والنساء بثلاث صفات ، فقوله هنا : وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ يطابق قوله في أول السورة وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ [ النور : 1 ] ، وقوله : وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ يقابل قوله في أول السورة وَفَرَضْناها [ النور : 1 ] على ما اخترناه في تفسير ذلك بأن معناه التعيين والتقدير لأن في التمثيل تقديرا وتصويرا للمعاني بنظائرها وفي ذلك كشف للحقائق ، وقوله : وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ يقابل قوله في أولها لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ النور : 1 ] . والآيات جمل القرآن لأنها لكمال بلاغتها وإعجازها المعاندين عن أن يأتوا بمثلها كانت دلائل على أنه كلام منزّل من عند اللّه . وابتدئ الكلام بلام القسم وحرف التحقيق للاهتمام به . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب مُبَيِّناتٍ بفتح التحتية على صيغة المفعول . فالمعنى : أن اللّه بيّنها ووضحها . وقرأ الباقون بكسر التحتية على معنى أنها أبانت المقاصد التي أنزلت لأجلها . ومعنيا القراءتين متلازمان فبذلك لم يكن تفاوت بين مفاد هذه الآية ومفاد قوله في نظيرتها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ [ النور : 1 ] في أول السورة لأن البينات هي الواضحة ، أي الواضحة الدلالة والإفادة . والمثل : النظير والمشابه . ويجوز أن يراد به الحال العجيبة . و ( من ) في قوله : مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا ابتدائية ، أي مثلا ينشأ ويتقوم من الذين خلوا . والمراد نشأة المشابهة . وفي الكلام حذف مضاف يدل عليه السياق تقديره : من أمثال